لدراسة اللغة وتعلمها والتفقه فيها لبعد الهوة وفساد السليقة لدى المتلقين المتأخرين بالنسبة للمتقدمين الأولين، غير أن هذا الطرح سيتضح أكثر في ركن الحديث عن"اللغة"عنده.
وبقي أن نشير إلى أن المصطلح الذي استعمله ابن خلدون ونعني به"الركن"كان موفقًا فيه إلى حد بعيد، لأن ركن الشيء في العربية جانبه، أو ركن الشيء جزء ماهيته، لأن الركن في التركيب اللغوي غير مستقل بذاته، بل قائم بغيره، على الرغم من وجود تعددية ـ غالبًا لأكثر من عنصر فيه، كاحتياج المسند إلى المسند إليه، والعكس صحيح، وحبذا لو يترجم (Le syntagme) ، إلى العربية إلى ما يعنيه الركن في العربية، لنتمكن بعد ذلك من ترجمة (Syntaxe) إلى"تركيب"دون غموض بين المصطلحين، حتى إن كان ابن خلدون لا يعني بالركن جزء ماهية الشيء من نفسه، ولكن يتصل به، وهذا لا ينفي عنده أن علوم اللسان بشكل عام ماهية كلية، وأن كل ركن من الأركان التي ذكرها تشكل جزءًا لا يتجزأ من هذه الماهية بشكل عام.
رأينا كيف أن دي سوسور يقر بأن كل عبارة، إنما لها حضور عبر الواقعة النحوية، ولذلك يظهر أن ابن خلدون لم يكن بعيدًا عن الهدف لمّا صنف هذه الأركان المؤلفة لعلوم اللسان العربي، حيث وضع النحو ـ أو السانتكس بالمفهوم الحديث ـ في أول مرتبة تبعًا لتبريرات ذكرها مفصلة.
إن مفهوم النحو لدى ابن خلدون ليس ذلك المفهوم الشكلي أو الأفقي المرتبط ببنية القواعد من حيث مظاهرها الصورية، بل مفهومه عنده لا يبتعد كثير الابتعاد عن مساس ما يدل عليه علم اللغة العام الذي ينظر إلى النحو