ويتباين ابن خلدون مع اللسانيين المحدثين أنه يجعل، كما أشرنا، علوم اللسان العربي مؤلفة من أربعة مستويات، ولعل هذا التحديد مرتبط أساسًا بالأحكام الشرعية المستنبطة من الكتاب والسنة، لأن علم الشريعة لا يمكن له أن يستغني عن أحد هذه الأركان الأربعة فضلًا عما سواها من مستويات جزئية أخرى ليست إطلاقًا بالأمور الثانوية.
في حين أن اللسانيين المحدثين لا يتفقون كلهم في إضفاء تعريف موحد لعلوم اللسان، فهذا دي سوسور يعتبرها جزءًا من علم آخر عام أطلق عليه اسم السيميولوجيا وهو العلم الذي"يدرس حياة العلامات في صدر الحياة الاجتماعية" (11) بينما رونالد بارت (Ronald Barthes) يعكس هذا التعريف الديسوسوري أي السيميولوجيا بالأخرى هي فرع من اللسانيات، باعتبار كل نظام سيميولوجي يختلط بالكلام (12) والخلاف بين دي سوسور ورونالد بارت أن الأول يعطي الأفضلية للغة (Le langage) والمجتمع، وللوظيفة الاجتماعية للعلامة والتواصل، بعكس الثاني الذي لا يهتم جوهريا إلا بالمعنى (Signification) وطرائق التبليغ (13) .
ومما يستوحى استيحاء بعيدًا أن علوم اللسان عند ابن خلدون نظام مزدوج: منها ما هو خاص باللغة منظورًا إليها في ذاتها ولذاتها بتعبير دي سوسور، ومنها ما هو متعلق بالمعارف اللسانية المتفق عليها سلفًا، سواء تعلق الحال بكون اللسانيات جزءًا من حقل السيميولوجيا حسب سوسور أم العكس حسب بارت.
وسبقت الإشارة إلى هذه الرؤية اللغوية عند ابن خلدون، حيث رأينا كيف يميز تمييزًا أو طبعًا متقررًا وثابتًا في المتكلمين بها يتلقاه أو يتوارثه الآخر عن الأول، وبين الصناعة أي العلوم التي أسست لها مناهج وقوانين ومقاييس صارمة