ولذا فإن الفكر الجوهري لابن خلدون تكمن حقيقته، ويتجلى مستواه البِكر في ثنايا حديثه عن اللغة الإنسانية، إن الرجل حين يقول:» اعلم أن اللغة في المتعارف هي عبارة المتكلم عن مقصوده، وتلك العبارة فعل لساني « (34) . وإنه يعرفها تعريفًا وظيفيًا واجتماعيًا وفزيولوجيًا (فعل لساني) ، وحين يقول:» اعلم أن اللغات كلها ملكات شبيهة بالصناعة، إذ هي ملكات في اللسان للعبارة عن المعاني « (35) . فهو لا يعني لغة بعينها، بل أية لغة إنسانية، وهي ليست عنده ملكة صناعية كل الصناعة، ولكنها شبيهة بها، ولكنها تحتاج إلى العلم والتعلم، وتشبهها في كونها تتلاقى معها في الممارسات الفعلية عملًا وفكرًا وعلمًا، وتشبهها أيضًا في كونها تؤدي تحقيقًا من خلال اعتمادها على مجهودات جسمانية فزيولوجية، وتختلف عنها في كونها ليست محسة كل الإحساس مثلها، ولكنها كفاءة ذات صفة راسخة بالفطرة والتعلم، ولهذا يشير ابن خلدون:» إن الصناعة هي ملكة في أمر عملي فكري، وبكونه عمليًا هو جسماني محسوس، ... والملكة صفة راسخة تحصل عن استعمال ذلك الفعل وتكرره مرة بعد أخرى حتى ترسخ صورته، وعلى نسبة الأصل تكون الملكة، ... « (36) .
ليس معنى هذا أن الرجل يخلط بين الملكة اللغوية وغيرها من سائر الملكات الأخرى، باعتبار الملكة عنده لا تختص باكتساب فن أو علم دون باقي الفنون والعلوم الأخرى، بل الأمر عنده واضح إزاء كل ملكة على حدة تبعًا لظاهرتها وخاصيتها وطبيعتها، حتى وإن كان التقاطع ثابتا وقارًا دائمًا بينها جميعًا، وما يعنينا هنا معه، بشكل أخص، ما يتصل بالملكة اللغوية، على الرغم من شعورنا الواسع بأنه لا يمكن فهم الملكة اللغوية لديه بمعزل كلي عن باقي أوصافه للملكات الأخرى في شتى الحقول والمجالات، ولكن ليس ضرورة أن نحيل في كل مرة عليها على الرغم من تقاطعها وتكاملها.