الصفحة 23 من 26

على أي حال إن بعد النظر لدى ابن خلدون أن الفرد إذا حصلت له ملكة، فإنه قلما أن يجيد في ملكة أخرى» والسبب في ذلك أن الملكات صفات للنفس وألوان، فلا تزدحم دفعة، ومن كان على الفطرة كان أسهل لقبول الملكات وأحسن استعدادًا لحصولها، فإذا تلونت النفس بالملكة الأخرى وخرجت عن الفطرة ضعف فيه الاستعداد باللون الحاصل من هذه الملكة، فكان قبولها للملكة أضعف « (37) .

ويضرب مثلًا على الملكة الأحادية من خلال ذلك المتكلم العربي القديم الذي كان ينهل من ملكة أحادية مثالية، حيث كان يسمع أهل بلده وجيله في أساليبهم وأنحاء شتى من خطاباتهم عن مقاصدهم، أي أن الصبي كان يسمع استعمال» المفردات في معانيها فيُلقَّنها أولا ثم يسمع التراكيب بعدها فيلقَّنها كذلك، ثملا يزال سماعهم لذلك يتجدد في كل لحظة، ومن كل متكلم، واستعماله يتكرر إلى أن يصير ذلك ملكة وصفة راسخة ويكون كأحدهم، هكذا تصير الألسن واللغات من جيل إلى جيل « (38) .

والملكة اللغوية عند ابن خلدون أوسع من أن يحاط بها في هذا المبحث الجزئي، وسبق لنا أن عالجناها بشيء من التفصيل في مناسبة أخرى، وتماشيا مع منهجنا الذي حاولنا أن يكون ذا اقترابات مقارنة، فإننا نحيل على بعض الأفكار اللسانية الغربية حتى نعرف مدى اقتراب الفكر اللغوي الخلدوني منها أو بعده عنها.

إن اللسانيات الحديثة اهتمت بموضوع الملكة اللغوية والاكتساب اللغوي اهتمامًا يدل على مدى توفيق ابن خلدون حين أطنب في طرف هذا الموضوع وتعميمه وتفصيله، من باب المعاينة والملاحظة والتجربة، وليس من باب الحدس والتخمين، ولذا فيصدق عليه كامل الصدق ما يصدق على وصف اللسانيات بأنها الدراسة العلمية الموضوعية للغة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت