الصناعة من المتكرر في أكثر أبوابها، ... فوقفنا منه على علم جم يشهد بعلو قدره في هذه الصناعة ووفر بضاعته منها، وكأنه ينحو في طريقته منحاة أهل الموصل الذين اقتفوا أثر ابن جني، واتبعوا مصطلح تعليمه، فأتى من ذلك بشيء عجب دال على قوة ملكته واطلاعه « (3) ؛ لا يدع لنا مجالا للتردد للاقتناع بأن ابن خلدون هو الآخر كان يملك ناصية الدراسات اللغوية منذ نشأتها إلى غاية عصره (ت: 808 هـ) ، فضلا عن أنه كان مهتمًا بأعمال معاصريه في المشرق، وهو لا يبرح مقيمًا ومتنقلًا بين بلدان المغرب.
وبالنسبة لنا، فإن قيمة ابن خلدون في الدرس اللغوي لا تكمن عندنا من خلال ثقافته اللسانية الشاملة، ولا في اطلاعه على خصائصها ومدارسها ومذاهبها وعلمائها، فهذه الأمور مما قد نجدها في غيره ممن تقدموه بشكل خاص، وإنما قيمته تكمن عندنا في تحاليله ورؤيته ونظرياته اللغوية التي تبدو لكن يمرون بها فوقيًا مر الكلام سطحية أو انطباعًا عاديًا، مع أنها اعمق مما نتصور، بل نستطيع القول بأن الرجل قد سبق عصره في رؤاه اللغوية قرونا.
إن الدارسين اللغويين الذين يريدون أن يدركوا أفكار ابن خلدون اللغوية إدراكًا غير مجحف في حقه، عليهم أن يطلعوا على النظريات اللغوية الحديثة أولا، ثم الوقوف على رؤى وأفكار ابن خلدون اللغوية ثانيا.
على أي حال، إن لم يشعر بهذا الأمر غيري من الدارسين الذين قد يكونون ألمّوا بمحيط الدرس اللغوي عند ابن خلدون، فإني وجدت نفسي أشعر بهذا الأمر شعورًا مذهلًا، وكيف لا يخطر ببالي هذا الشعور، وهو القائل من جملة ما قال، مفرقًا بين ملكة اللسان العربيّ من جهة وقواعده وقوانينه من جهة ثانية:» والسبب في ذلك أن صناعة العربية إنما هي معرفة قوانين هذه