لعلوم اللسان، إن لم تكن هي نفسها تمامًا؛ ومنظور أدائي متميز معبرًا عنه بواجهات دلالية هي تلك الوظائف التي يفرزها المنظور الأول أو تؤديها الأركان الأربعة ذاتها.
بمعنى أن ابن خلدون ينطلق في تعريفه للعلوم اللسانية من مفهوم عملي أشمل، وعملي متصل باللغة لذاتها من خلال ما تقوم به من وظائف اجتماعية
من أعلى مستوى مثل التواصلات الأدبية والرسمية، ... إلى أدنى مستوى مثل التفاعلات والتعاملات الشعبية اليومية الآنية:
ليس سهلًا أن نعرف ظاهرة اجتماعية معقدة تتصل بنا اتصالًا، ومع ذلك نقف أمامها تارة مترددين، ومرة مشدوهين، مع أننا في ترددنا، أوشَدْهنا نواجه الظاهرة نفسها فيما بيننا، غير أن ابن خلدون قد فاق سابقيه منهجيًا وموضوعيًا، وانفرد عن معاصريه ليتجرده من كل ما هو انطباعي (IMPRESSIONISTE) .
إن علماء اللسانيات المعاصرين للقرن العشرين بوجه خاص استطاعوا التجرد من العوامل الخارجية، ونحوا منحى علميًا في تعاملهم مع العناصر اللغوية على اختلاف نظرياتهم ومناهجهم ومدارسهم، وهذا الموقف اللساني الصرف لهؤلاء يذكرّنا بالمنهجية الخلدونية.
فهذا فرديناند دي سوسور أبو اللسانيات الحديثة بدون منازع، حين بادر إلى تعريف عناصر اللغة نبّه أول ما نبه قائلا: يفترض تعريفنا للغة إبعاد كل ما هو غريب عن كيانها ومنظومتها، وبكلمة واحدة كل ما نشير إليه بـ"الألسنية الخارجية" (5) وإذا كان هذا الأخير قد أدرك إدراكًا علميًا ودقيقًا العلاقة والحدود بين الألسنية الخارجية والألسنية الداخلية معرّفًا بصراحة ووضوح بأن مفهوم