أما المعيار الثاني لتصنيف استراتيجيات الخطاب، فهو معيار دلالة الشكل اللغوي، إذ يكون واحدًا من صنفين، إمّا قصدًا مباشرًا، أي أن القصد يتضح في الخطاب مباشرة، وإما قصدًا غير مباشر، بأن يكون المعنى مستلزمًا من شكل الخطاب، وبالتالي يصبح شكلًا يستلزم قصدًا غير المعنى الذي يدل عليه ظاهر القول أو الكلام، فقد يستخدم المرسل شكلًا ما بقصد تبطين مقاصده ومعانيه، ويرمي من خلاله إلى أمور يتدخّل سياق الخطاب في كشفها وتحديدها، ويمكن أن نصطلح على هذا الضرب من الاستراتيجيات بالاستراتيجية التلميحية. مثل من يقول لزميله: أعتقد أنني نسيت قلمي، وهو لا يريد أن يخبر زميله عن نسيان القلم، بقدر ما يريد أن يحثّه، بطريقة مؤدبة، على أن يعيره قلمه للحظات محدّدة. ومن أبرز الأدوات اللغوية المستخدمة في ذلك أساليب الاستفهام التي لا يقصد السائل منها أن يسأل عن مجهول، وإنما الخروج عن ذلك إلى مقصد آخر مثل الالتماس، أو دفع المرسل إليه للاشتراك في الخطاب بما يريده المرسل أن يتفوّه به، أو أن يفرض الأمر الواقع عليه، ويدخل في ذلك إنجاز الأفعال اللغوية غير المباشرة، كما هي عند بعض فلاسفة اللغة، ومنهم البلاغيُّون والفقهاء والأصوليّون، و (أوستين وسيرل) حديثًا، ومن آلياتها اللغوية الكثيرة ما يسمّى عند الأصوليّين بالمفهوم بنوعيه: مفهوم الموافقة إذ يفهم من التعليمات التي تقول: ممنوع أن تهمس في قاعة الطعام، أن الحركة أو الكلام أو الضحك هي ممنوعة، من باب أولى في ذلك السياق تحديدًا، وأن النظام يعاقب عليها أكثر من معاقبته على مجرد الهمس. وعليه، تتّفق هذه الأفعال مع فعل الهمس في كونها كلها ممنوعة، وإن كانت تعلوه بدرجات متفاوتة، تعويلًا على أثرها الذي يتجاوز أثر الهمس في إحداث الفوضى بوصف الفوضى هي مناط علّة المنع في الأصل. وكذلك مفهوم المخالفة، إذ يفهم من الخطاب التالي: يمنع دخول الطلبة إلى هذا القسم، أنه يجوز أن يدخل غير الطلبة. وما يسمّى حديثًا بالالتزام الحواري عند (جرايس) ، فإذا اشتكى عبدالله لصديقه يزيد بقوله: أحسّ بصداع في رأسي، فإن يزيد قد يردّ عليه بقوله: هناك صيدليه على بعد ثلاثة أكيال من هنا. فخطاب يزيد يستلزم في هذا السياق تحديدًا: أنه يعرف أن الصيدلية مفتوحة في أثناء الحوار، وأنها تتوفّر على الأدوية التي يمكن أن يداوي بها عبدالله علته، وأن عبدالله يمتلك على الأقل، ثمن الدواء، وأنه