بدأت كل الجمل بنكرة لأنها تحمل معنى الدعاء، ولأن الخبر فيها شبه جملة، ومتى كان المبتدأ محتملا لمعنى الدعاء، والخبر شبه جملة، جاز الابتداء بالنكرة، فالشاعر في هذه الأسطر يدعو بالسلام على زرقة البحر في ناظريها، ومغرب الشمس في مقلتيها، ومشرق الليل في شعرها، ومصرع الليل في وجنتيها.
وقد يتغير تركيب هذه الصورة بتغير رتبة الركنين العمدة كقوله [1] [xxvii] :
عَلَى جَبِينِي وَصمَةُ العَاِر المُشِينَة.
وهذا شكل آخر من أشكال الجملة الاسمية التي يتقدم فيها الخبر. وتقديم الخبر على المبتدأ إنما يكون لغرض يتعلق بالمعنى كالتخصيص مثلا أو الاهتمام [2] [xxviii] . ويرى الكوفيون أن تقديم الخبر على المبتدأ غير جائز أصلا سواء كان مفردا أو جملة ولأي غرض من الأغراض، فهو مما يلتزم رتبة التأخير في التركيب [3] [xxix] . والصواب أن الخبر مما يمكن أن يغير رتبته إذا لم يكن لذلك مانع، فيتقدم على مبتدئه، مما يسمح بالتعبير عن المعنى الواحد بالطرق المختلفة، فالعربية تمنح المتكلم مساحة واسعة للتعبير عن أفكاره، إذ تأخذ الفكرة الواحدة عنده أشكالا مختلفة من التراكيب، ويبقى المعنى واحدا مع هذه العبارات المختلفة، لأن التركيب لم يغير بالشكل الذي يمس المعنى العام، وإنما بشكل يجعل فكرة ما أقوى -لدى السامع- من غيرها في العبارات الأخرى، أي أن الجمل المختلفة في ترتيب أركانها تختلف فيما بينها اختلافا صغيرا أو كبيرا، ولكنها تبقى مشتركة في معناها العام، فكل تغيير في الجملة بالتقديم أو التأخير يولد معنى جديدا من حيث العناية بالمقدم مثلا، ويعبر البعض عن ذلك بأن المتغير -في جملة غير نظام الرتبة فيها- ليس المعنى، وإنما هي الدلالة، باعتبار أن المعنى هو الفكرة العامة التي تحكم العبارة، والدلالة هي ما تختص به عبارة من دون العبارات الأخرى المماثلة لها في الكلمات، والمختلفة عنها في الترتيب أو التركيب [4] [xxx] .
ومهما يكن من أمر فإن النظام النحوي هو المسؤول أمام اللغة على إبراز معنى واحد تفيده الجملة، فيجعل الارتباط بين مكوناتها وثيقا، ولا يمنح الشاعر الحرية إلا بالقدر الذي لا يسيء للمعنى، وإلا تصدع بناء الجملة واختل معناها، فالتقديم الذي في قوله (على جبيني وصمة العار) لم يغير المعنى الذي تحمله تغييرا جذريا، وإنما تغير بحيث أصبحت وصمة العار مختصة بالجبين، لصيقة به، وكأن الشاعر يهمه أن يبلغ أن جبينه مشوه، ليعرف الناس مدى وضوح العار الذي يحمله، أكثر من أن يبلغ عن وصمة العار، ونجد ذلك أيضا في قوله [5] [xxxi] :
قِيلَ لِي:
لَكُم دِينُكُم وَلَهَا دِينُها.
فقد تقدم الخبر (شبه الجملة) على المبتدأين (دينكم) و (دينها) ، لاختصاص الدين في قوله (لكم دينكم) بالمخاطبين دون غيرهم، واختصاصه في قوله (لها دينها) بها وحدها، فمن قال إن التقديم أو التأخير لا يكونان لغرض ما فقد وهم، لأن التغيير الشكلي للجملة يؤدي إلى تغير المضمون فيها، ولو كان ذلك بزيادة حرف واحد على التركيب الأصلي، وهذا واضح جلي في الشواهد التي تقدم ذكرها، فمن دون شك أن قوله (وصمة العار