الصفحة 5 من 15

أو السامع في معرفة الحكم، فالغرض من الإخبار إفادة المخاطب ما ليس عنده، وتنزيله منزلتك في علمك بذاك الخبر، والإخبار عن النكرة لا فائدة فيه، فإن قلت: رجل قائم أو عالم أو مريض ... وما إلى ذلك من الأخبار، لم يكن في كلامك ما يفيد السامع، لأنه ليس من الغريب، وليس بالجديد أن يكون هناك رجل قائم أو عالم أو مريض في هذا الوجود ممن لا يعرفهم المخاطب، وليس هذا ما ينتظر السامع أن يسمعه، ولا أن تنزله منزلتك في العلم به، فإذا اجتمع في الكلام معرفة ونكرة، كانت المعرفة مبتدأ والنكرة خبرا، لأنك إذا ابتدأت بالاسم الذي يعرفه المخاطب كما تعرفه أنت فإنما ينتظر الذي لا يعلمه، فإذا قلت (قائم) أو (حكيم) ، فقد أعلمته بمثل ما تعلم مما لم يكن يعلم، وإذا قدمت وقلت ... (قائم زيد) فقد قدمت نكرة لا يعرفها المخاطب، ولا فائدة له بتقديمها. والحقيقة أن المعرفة والنكرة إنما تقاس بالنسبة للمخاطب، فما كان معروفا عنده فهو معرفة، وما كان منكورا فهو نكرة، لذلك تجد النحاة يجوزون الابتداء بالنكرة في مواضع حصول الفائدة [1] [ii] ، وذلك ما عول عليه المتقدمون، فمتى حصلت جاز لك أن تبتدئ بالنكرة، بينما راح المتأخرون يعدون هذه المواضع ويحصونها لأن معرفتها غير متسنية للجميع، فتتبعوها بين مكثر ومقل [2] [iii] .

و سنتناول فيما يلي الأنماط المختلفة للجملة الاسمية في شعر يوسف وغليسي، وهي ثلاثة: نمط ... (المبتدأ + الخبر) الذي يشمل صورا ثلاثا أيضا، وهي الصورة التي يكون خبرها مفردا أو جملة أو شبه جملة، ولكل صورة أشكال محولة عنها بالحذف أو الزيادة، أو التقديم والتأخير. ونمط الجملة المسبوقة بكان أو إحدى أخواتها، والنمط الأخير هو نمط الجملة المسبوقة بإن أو إحدى أخواتها، ولكل نمط منهما صوره المختلفة أيضا.

النمط الأول: مبتدأ + خبر

الصورة الأولى: مبتدأ + خبر (مفرد)

وردت هذه الصورة في مثل قوله [3] [iv] : أَنَا أَنْتِ وَأَنْتِ أَنَا

والملاحظ على هذه الجملة أن المبتدأ والخبر فيها ضميران منفصلان، والضمير كناية عن اسم معروف وخاصة ضمائر الحضور، أي ضمائر المتكلم والمخاطب. والضمير -كما يرى بعض الدارسين- وسيلة استحدثتها العربية بعد مراحل من التطور ليقوم بوظيفة الربط، إضافة إلى ما يقوم به من وظائف أخرى، ويرون أن اللغة العربية كانت تستخدم في مراحل متقدمة إعادة اللفظ بنفسه [4] [v] .

إن الضمائر الموجودة في قوله (أنا أنت وأنت أنا) ليست بحاجة إلى ما يوضحها، لأن الضمير (أنا) هو ضمير المتكلم نفسه، ولا شيء أوضح بالنسبة إليه أكثر من نفسه، ولا شيء أعرف للمتلقي من المتكلم معه، فمن دون شك أنه لن يجد صعوبة في فهم وإدراك ضمير المتكلم، لأنه -كما نعلم- موجود معنا نسمعه ونراه، والضمير (أنت) أيضا ضمير واضح في غاية البروز، لأنه عائد على المخاطب، ولا يخاطب الشخص إلا إذا كان حاضرا، ولا شك في أن الحاضر معروف، لا يحتاج إلى ما يعرف به. وعلى الرغم مما تتصف به هذه الضمائر من الوضوح والبروز إلا أن الاسم الظاهر أقوى منها وأبلغ في توصيل المعنى، كما هو مقرر في العربية [5] [vi] .

ورد المبتدأ ضميرا في قوله أيضا [6] [vii] :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت