مستقبلا، فهي موضوعة لنفي الحال وتنفي غيره بالقرينة. وفي قول شاعرنا نفت (ليس) مضمون الجملة في الحال. ويرى بعض النحاة أنها كلمة مركبة من (لا) وهي أداة نفي، و (أيس) وهو فعل كينونة قديم، تخلف عن سائر أفعال الكينونة، وجمد مركبا مع (لا) في النفي، وخصه الاستعمال بأسلوب خاص، وقد استعمل استعمال الأدوات، إذ أنه لا يدل إلا على ما تدل عليه (لا) النافية، لكنه احتفظ بخصائص الفعل الأولى، من اتصال بتاء التأنيث الساكنة وبضمائر الرفع [1] [xl] كالمثال السابق.
وتقديم أخبار (كان وأخواتها) جائز إلا خبر (دام) باتفاق النحاة، وخبر (ليس) عند جمهور البصريين، إذ أنهم قاسوها على (عسى) . وإذا نفي الفعل بـ (ما) جاز أن يتوسط الخبر بين أداة النفي والفعل المنفي مطلقا، نحو: ما قائما كان زيد، إلا أن التقديم على (ما) ممتنع عند البصريين والفراء وأجازه بقية الكوفيين، واختص المنع عند ابن كيسان (ت 299 هـ) بغير زال وأخواتها لأن نفيها إيجاب، وعممه الفراء في حروف النفي [2] [xli] .
ومهما يكن من أمر فإن في العربية رتبا محفوظة لا تتغير أبدا كجملة الصلة بعد الموصول والفاعل بعد الفعل، وأخرى متغيرة حسب ما يستدعيه الأسلوب، فللرتبة مرونة تسمح بتقديم أو تأخير أحد أركان الجملة الرئيسة حسب متطلبات المقام، وكل تغيير فيما يؤدي حتما إلى تغيير في المعنى، وهذه المرونة راجعة إلى اعتماد العربية قرينة الإعراب لبيان وظيفة الكلمة في الجملة، لذلك لم يكن لموقعها القدر الكبير من الأهمية في تحديد وظيفتها، كما هي الحال في اللغات الهندية الأوربية التي يقيد مستعملوها بنظام واحد يعد الخروج عنه خطأ، إذ تمتاز العربية - مقارنة بهذه اللغات- بالحرية في التعبير عن المعنى الواحد بعديد الطرق، حتى أننا نجد الرتب المحفوظة في نظام الجملة العربية قليلة، في حين تكثر الرتب غير المحفوظة، وهذا ما أتاح لأبناء هذه اللغة إمكانات كثيرة ليتصرفوا في فنون التعبير تصرفا واسعا ولا سيما الشعراء منهم والأدباء. والشاعر يوسف وغليسي واحد من الذين استغلوا جوازات اللغة للتعبير عن مختلف الأفكار، فتراه يعتمد التقديم بشكل واسع، من ذلك قوله [3] [xlii] :
كَانَ لِي وَرْدَتَان
وَردَةٌ طَلَعَتْ مِنْ حَنِيِن الشَّهِيد وَمَاتَتْ
وَأُخْرى أُصِيبَتْ بِفَقِْر الحَنَان.
فقدم خبر الناسخ على اسمه، وسمح له بذلك كون الخبر شبه جملة والاسم نكرة، وهو يرمي من وراء هذا التقديم تخصيص المبتدأ به دون غيره. وتقديم الخبر على الاسم جائز في اللغة، أما تقديم الاسم على الناسخ فغير جائز، ومتى حدث ذلك فإن الجملة تخرج من نمط الجملة المنسوخة إلى نمط الجملة الخالية من النسخ. ومثال ذلك قوله [4] [xliii] (هزج) :
لِمَ البَلوَى أَيا رَبِّي ... سُؤالٌ ظَلَّ يُعْيِينِي