فهرس الكتاب
يبدو أن ذلك مظهر من مظاهر الإرادة الشعرية لدى المتنبي، إنها الإرادة التي تكشف عن الخصائص الفردية التي بها تظهر روح الشاعر، إنه يشعر شعور العظماء، ويعرف قدراته الفنية وقيمة شعره، لذا جاءت أساليبه الشعرية مرآة لنفسه، لقد عرف أن يواءم بين نفسه المحتدمة ولغته التي هي أداته الفنية.
تتيح اللغة للأديب أن يغترف من ألفاظها و تراكيبها ما يشاء، وكل أديب يغترف مما تزخر به اللغة ما يتفق مع معجمه اللغوي، و أبو الطيب المتنبي عندما يختار الألفاظ التي تتفق مع معجمه المتميز فإنه ينحرف في اختيار الألفاظ انحرافًا يسبب للمتلقي هزة غير متوقعة، و ينحرف أيضا في التوزيع وذلك بخرق النظام المثالي في توزيع أجزاء الجملة لغايات فنية و جمالية، والمعروف أن المتنبي يختلف عن أقرانه بما يتسم به من سمات ثقافية وفكرية وانفعالية، ويبدو لمن يتابع سيرة حياته و طموحاته أن هناك تمازجًا تامًا بين شخصية المتنبي وأسلوبه.
المتنبي ينأى عن الألفاظ المستعملة في الوسط الأدبي و يختار الألفاظ الغريبة أو النادرة أو الشاذة و يقحمها في نصه الشعري عن قصد و تنتشر هذه الألفاظ في شعره بشكل يختلف إلى حد كبير عن الأدباء المعاصرين له، يقول في مطلع إحدى قصائده (1) :
ألاَ كُلُ مَاشِيَةِ الخَيْزَلَى ... فِدَى كُلّ مَا شِيَةِ الهَيْدَبَى
وَكُلّ نَجِاةٍ بُجَاوِيَّةٍ ... خَنُوفٍ وَمَا بِيَ حُسْنُ المِشَى
وَلَكِنَّهُنَّ حِبَالُ الحَيَاةِ ... وَكَيْدُ العُدَاةٍ وَ مَيْطُ الأَّذَى
لقد صدم الشاعر المتلقي باختيار كلمتين غريبتين في البيت الأول هما الخيزلى والهيدبى، وقد أدخلهما في شعره عن قصد، وتزداد صدمة المتلقي بسبب انحراف الصورة التي جسدتها هاتين اللفظتين، وذلك بمخالفته عادات العرب، بجعل كل امرأة مسترخية تمشي الخيزلى تفتدي كل ناقة مسرعة تمشي الهيدبى، حيث عكس ما ألفه المتلقي فحقق الشاعر ما يريده من إثارة اهتمام المتلقي من أول بيت في القصيدة، وقال في مطلع قصيدته التي مدح بها عبد الواحد بن العباس بن أبى الأصبع الكاتب (2) :
أَركَائبَ الأحْبَابِ إنَّ الأدْمُعَا ... تَطِسُ الخُدُوْدَ كَمَا تَطِسْنَّ اليَرْمُعا
فَاعْرِفْنَ مَنْ حَمَلَتْ عَلَيْكُنّ النَّوَى ... وَاَمْشِيْنَ هَوْنًَا فِي الأزِمَّةِ خُضَّعَا