فهرس الكتاب
لقد أختار كلمة"تطس"من بين عدة بدائل متاحة و كان بإمكانه أن يختار كلمة"تدق"لكنه اختار كلمة تطس لأنها هي لتي تعبر عما في نفسه، وكذلك اختار كلمة اليرمع، وكان بإمكانه أن يختار كلمة الحجارة، وربما يكون للقافية دور في اختيار اليرمع.
ومن الكلمات الغريبة التي اختارها وفضلها على غيرها كلمة الجرشى التي استعملها بمعني النفس، وهي كلمة مستكرهة في السمع بسبب عدم تداولها بين الأدباء، وندرة استعمالها بين العرب الخلص، ولكنه فضلها على كلمة: النفس و استعملها في قوله [1] :
مُبَارَكُ الاسْمِ أغَرُّّ اللَّقَبِ ... كَرِيْمُ الجرِشَّى شَرِيْفُ النَّسَبْ
أخُوْ الحَرْبِ يُخْدِمُ مِمَّا سَبَى ... قَنَاهُ، وَيَخْلَعُ مِمَّا سَلَبْ
لقد أصبح اختيار الألفاظ الغريبة و تفضيلها على غيرها من البدائل المتاحة إحدى السمات الأسلوبية لشعر أبي الطيب المتنبي، فهي بمثابة البصمة الأسلوبية Stylistic Finger"التي امتاز بها المتنبي عمن عداه من الشعراء، وتكشف شخصيته المختفية خلف قناع اللغة، انظر إلى مطلع قصيدته التي مدح بها محمد بن زريق الطرسوسي [2] :"
هَذِي بَرَزْتِ لَنَا فَهِجْتِ رَسيْسَا ... ثُمَّ انْثَنَيْتِ وَ مَا شَفَيْتِ نَسِيْسَا
وَجَعْلتِ حَظيِّ مِنْكِ حَظيِّ فِي الْكَرىَ ... وَتَرَكْتِنِي للْفَرْقَدَيْنَ جَليْسَا
قَطَّعْتِ ذَيّاكِ الخِمَارَ بسَكْرَةٍ ... وَأَدَرْتِ مِنْ خَمْرِ الفِرَاَقِ كُئُوْسَا
اختار كلمة"الرسيس"بمعنى مارس في القلب من الهوى أي ثبت، واختار كلمة"النسيس"وهي بقية النفس، ويقول في مطلع قصيدته التي مدح بها علي بن إبراهيم التنوخي [3] :
أُحَادٌ أَمْ سُدَاسٌ فِي أُحَادِ ... لُيَيْلَتَنَا المَنُوْطَةُ بالتنَّاَدِي
فاستعمل لفظتي: أحاد"و"سداس"وهما من الألفاظ النادرة و الغريبة، يقول ابن عباد في تعليقه على هذا البيت [4] : (( وما ظنك بممدوح قد تشمر للسماع من مادحه فصك سمعه بهذه الألفاظ الملفوظة و المعاني المنبوذة؟ فأي هزة تبقى هناك؟ وأي أريحية تثبت هنا؟ ) )."
وقد عدّ بعض المستشرقين [5] طريقة المتنبي في اختيار الألفاظ وصوغ الكلام من ظواهر العربية المولدة.
لقد اخضع المتنبي مهارته الأسلوبية لإيثاراته الخاصة فهو شاعر متحرر مما يمليه عليه المقام ولا يضبط اختياراته تبعًا لما يتطلبه الموقف، لذلك نجده يختار الألفاظ ذات المعاني غير المألوفة و يقحمها في شعره مع إمكان استبدالها بغيرها، منها انه يستعمل"التوارب"بدلًا من التراب، و"الكيذبان"بدلًا من الكذاب، و"اللغى"بدلًا من اللغات، و"الجائد"بدلًا من الجواد، وغيرها كثير.
وقد كشف أبو البقاء العكبري وهو أحد شراح شعر المتنبي السبب وراء اختيار المتنبي للألفاظ النادرة و تفضيلها على غيرها، وذلك حينما سأل أبو البقاء شيخه أبا الحرم مكي بن