الصفحة 12 من 30

ريان الماكسيني عند قراءته الديوان عليه: ما بال شعر المتنبي في كافور أجود من شعره في عضد الدولة وأبى الفضل ابن العميد؟ فقال شيخه [1] : (( كان المتنبي يعمل الشعر للناس لا للممدوح وكان أبو الفضل ابن العميد، وعضد الدولة في بلاد خالية من الفضلاء وكان بمصر جماعة من الفضلاء والشعراء فكان يعمل الشعر لأجلهم، وكذلك كان عند سيف الدولة، ابن حمدان جماعة من الفضلاء، والأدباء فكان يعمل الشعر لأجلهم ولا يبالي بالممدوح ) )ويقول [2] : (( والدليل على هذا ما قال أبو الفتح عنه في قوله"تفاوح"لأنه لما قالها أنكرها عليه قوم حتى حققوها ) ).

على أن طبيعة الشاعر ونفسيته وراء اختيار هذا النوع من الألفاظ، فهو لا ينظر إلى الممدوح فقط لأن صورة المتلقي تتراءى أمامه ولا تغيب عنه، فالمتلقي هو الغائب الحاضر.

ويبدو أن إكثار أبي الطيب المتنبي من استخدام الكلمات غير المألوفة هو الذي سبب صعوبة أسلوبه في بعض نماذجه الشعرية فقد ثبت وجود صلة بين صعوبة الأسلوب وتنوع المفردات غير المألوفة [3] : (( وترجع العلاقة بين الخاصيتين إلى أمر يمكن توقعه، فالكاتب أو الشاعر الذي يتميز بنسبة تنوع عالية في المفردات أي بوجود عدد كبير من الكلمات المتنوعة يلجأ عادة إلى استخدام كلمات غير مألوفة لكي يزيد من تنوع ألفاظه ) ).

وهناك مظهر آخر من مظاهر انحراف المتنبي في اختيار الألفاظ، فهو حين يترك الألفاظ الغريبة و النادرة فإنه يفاجئ المتلقي بشيء آخر فهو يستخدم ألفاظ الحب في المدح و يستعمل ألفاظ الغزل و النسيب في أوصاف الحرب و الجدّ، وقد تنبه إلى ذلك وعلله أبو منصور الثعالبي، وهو يرى أن ذلك مذهب تفرد به المتنبي وأكثر من سلوكه اقتدارًا منه [4] : (( وتبحرًا في الألفاظ و المعاني ورفعًا لنفسه عن درجة الشعراء، وتدريجًا لها إلى مماثلة الملوك ) )يقول في مدح على بن إبراهيم التنوخي [5] :

أغَارُ مِنَ الزُّجَاجَةٍ وَ هْيَ تَجْرِي ... عَلىَ شَفَةِ الأِمِيْرِ أبي الحُسَيْنِ

إن الغيرة على شفة هذا الأمير لا معنى لها، إن هذه الغيرة لا تكون إلا بين المحب ومحبوبته، ويقول في مدح كافور [6] :

وَمَا أناَ بالبْاَغِي عَلىَ الحُبِّ رَشْوَةً ... ضَعيْفٌ هَوَىَ يُبْغِى عَلَيْهِ ثَوَابُ

وَمَا شئْتُ إلا أنْ أُذِلُّ عَوَاذِلِي ... عَلَىَ أنْ رَأيي فِي هَوَاكِ صَوَابُ

ويقول في مدح عضد الدولة [7] :

أرُوْحُ وَقَدْ خَتَمْتُ عَلىَ فُؤَادِي ... بِحُبِّكَ أنْ يحلَّ بِهِ سِوَاكا

ومن انحرافه عن المألوف في اختيار ألفاظ الغزل والنسيب و استعمالها في أوصاف الحرب، قوله [8] :

أعْلىَ المَمَالِكِ مَا يُبْنى عَلَى الأسَلِ ... والطَّعْنُ عِنْدَ مُحِبِِّيْهِنَّ كالقُبَلِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت