الصفحة 13 من 30

انظر كيف صارت الطعنات في القتال كالقبل المستعذبة و اللذات المغتنمة، فالمقاتلون يستعذبون و يستلذون الطعن استلذاذ القبل، ويقول أيضا في مدح أبى الفوراس وهو"دليرّ بن لشكروز"حين جاء إلى الكوفة لقتال الخارجي الذي ظهر بها من بني كلاب، ويظهر الممدوح كأن الحرب عاشقة له، وهو عند زيارته لها يسرع إليها للإلمام بها (1) :

شُجَاعٌ كأنَّ الحَرْبَ عَاشِقَةٌ لَهُ ... إذَا زَارَهَا فَدَّتْهُ بالخَيْلِ وَالرَّجْلِ

وهذه الظاهرة الأسلوبية التي يستعمل فيها المتنبي ألفاظ الحب و الغزل ليست خاصة بالمدح وأوصاف الحرب و الجد كما ذكر الثعالبي و إنما تتجاوز ذلك إلى أغراض أخرى من شعره كالعتاب و الرثاء، يقول معاتبًا سيف الدولة (2) :

مَالِي أُكَتِّمُ حُبًَا قَد بْرَىَ جَسَدِي ... وَتَدَّعِيِ حُبَّ سَيْفَ الدَّوْلَةِ الأُمَمُ؟

إنْ كَانَ يَجْمَعُنَا حُبٌّ لغُرَّتَهِ ... فَلَيْتَ أنّا بِقَدْرِ الحُبِّ نَقْتَسِمُ

وكذلك تجده ينحرف إلى ألفاظ الغزل في الرثاء، كرثائه جدته ورثائه أم سيف الدولة، وأكثر من ذلك وضوحًا ما ورد في رثائه لخولة أخت سيف الدولة وتعزيته بها بقوله (3)

يَعْلَمْنَ حِيْنَ تُحَيِّي حُسْنَ مَبْسَمِهَا وَلَيْسَ يَعْلَمُ إلاَّ اللهُ بالشّنَبِ

ويقول أيضًا (4) :

وَهَلْ سَمِعْتَ سَلاَمًا لِي أَلَمَّ بِهَا ... فَقَدْ أطَلْتَ وَمَا سَلَّمْتُ عَنْ كَثَبِ

إن استخدام المتنبي لألفاظ الحب و الغزل في رثاء أخت سيف الدولة لم يتم قبوله من قبل بعض النقاد، يقول أبو بكر الخوارزمي (5) : (( لو عزاني إنسان عن حرمة لي بمثل هذا لألحقته بها، و ضربت عنقه على قبرها ) ).

أما الأستاذ محمود شاكر (6) فإنه يرى أن هذا الشعر يدل على أن المتنبي كان يحب خولة أخت سيف الدولة حب رجل لامرأة، و ذكر الأدلة المختلفة التي استنبطها من شعره التي تقطع بأن هذا الحب له أكبر الأثر في شعره إلى أن مات.

لقد حرص النقاد على تعليل هذه الظاهرة، فأبو منصور الثعالبي (7) يرى أنه استكثر من ذلك تبحرًا ومهارة في الألفاظ و رفعًا لنفسه عن درجة الشعراء إلى مرتبة ممدوحه، أما الدكتور محمد مندور (8) فإنه لم يكتف بتعليل الثعالبي، ومن يقرأ التعليل الذي كتبه الدكتور مندور فإنه لا يسعه إلا أن يقبل بعض ذلك التعليل و يرفض بعضه، وما يقبل من ذلك التعليل يمكن تلخيصه بما يلي (9) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت