الصفحة 9 من 30

ويزخر شعر المتنبي بصيغ الجمع التي تشحن المتلقي بطاقة انفعالية حين يصطدم فجأة بما لا يتوقع، وبما لم يتربى عليه ذوقه، وخاصة حين يجد الشاعر يجمع كلمة"أرض"على"أروض"في قوله ماداحًا عضد الدولة (1) :

أرُوُضُ النَّاسِ مِنْ تُرْبٍ وَخَوْفٍ ... وَأرْضِ أبى شُجَاعٍ مِنْ أمَانِ

تُذِمّ عَلىِ اللُّصُوْصِ لِكُلِ تَجْرٍ ... وَتَضْمَنُ لِلصّوَارِمِ كُلّ جَانِي

وكذلك حين يجمع كلمة"كوب"على"أكوب"منحرفًا بذلك عن النمط اللغوي المألوف ومخالفًا القياس الصرفي الذي يقتضي جمع الكلمة على أكواب وذلك في قوله (2) :

لأحِبَّتِي أنْ يَمْلَئُوا ... بالصَّافِيَاتِ الأكْوُبَا

وَعَلَيْهِمُ أنْ يَبْذُلُوا ... وَعَلَيّ أَنْ لاَ أشْرَبَا

ومن مظاهر الانحراف في البنية الصرفية ما يفعله أبو الطيب المتنبي حين يعمد إلى فك الإدغام في ميميته التي مدح بها عمر بن سليمان الشرابي، وهو يومئذ يتولى الفداء بين العرب و الروم بقوله فيها (3) .

وَلاَ يُبْرِمُ الأمْرُ الذَّي هُوَ حَاللٌ ... وَلاَ يُحْلِلُ الأَمْرُ الذَّي هُوَ مُبْرمُ

وَلاَ يْرمَح الأذيْالَ منْ جَبرِيَّةٍ ... وَلا يَخْدُمُ الدُّنيَا وإيَّاه تَخْدِمُ ...

وَأغْرَبُ مِنْ عَنْقَاءَ فِي الطَّيْرَ شَكْلُه ... وأعْوَزُ مِنْ مُسْتَرْفِدٍ مِنْه يُحْرَمُ

يريد انه ليس للأمر الذي يحكمه ناقض ولا للذي نقضه مبرم فهو لا يخالف فيما أراد، فاستعمل كلمة:"حالل"فخالف القياس الصرفي، ويقتضي القياس أن يقول"حال"بإدغام اللامين لا بالفك، ومثل ذلك كلمة"يحلل"في نفس البيت، وقد ذكر أبو البقاء العكبري في شرح الديوان أن الشاعر قد يعمد إلى مثل هذه الانحرافات عن قصد منه يقول (4) : (( أظهر التضعيف في حالل، وهو من باب الضرورات، ولو قال مكانه: ناقض، لسلم من الضرورة، وربما فعل الشاعر هذا ليشعر أنه يعلم بالضرورات ... ) ).

والحقيقة إن هذا وأمثاله وإن كان انحرافا عن المألوف ومخالفًا للقياس فإنه رجوع إلى الأصل، وقد يصوغ اسم الفاعل من كلمة:"دار"في مثل قوله (5) :

أسَائلُها عَنْ المُتَدَيِّريْهَا ... فَلا تَذْْرِيِ وَلا تُذْرِي دُمُوْعَا

لَحاهَا اللهُ إلاَّ ما ضِيْيَهَا ... زَمَانَ اللّهْوِ وَ الخَوْدَ الشَّمُوْعَا

المتديروها هم المتخذوها دارًا.

إن شعر المتنبي يزخر بالانحرافات الأسلوبية التي تعتمد على كسر رتابة النظام اللغوي لذلك نجد أساليبه الشعرية تشحن المتلقي بطاقة انفعالية يقول د. إحسان عباس (6) : (( صدم المتنبي الذوق مرتين: مرة بشخصه المتعالي المتعاظم، ومرة بجرأته في الشعر، جرأته التي تركب المبالغة و تتصرف باللغة ... تصرف المالك المستبد ) ).

ونتوقف هنا لنتساءل عن السبب الذي دفع المتنبي إلى الإكثار من الانحراف عن مستويات الاستعمال المطرد؟ وما الذي جعله ينأى بأساليبه الشعرية عما تقتضيه المعايير المقررة في النظام اللغوي، ويتصرف في اللغة تصرف المالك المستبد؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت