فهرس الكتاب
يريد نحن من ضايقه الزمان فيك، و الفعل"ضايق"متعدٍ، ولكن الشاعر عامله معاملة اللازم، ففصل الفعل ضايق عن المفعول به الضمير و عداه إليه باللام، فصار الكلام: نحن من ضايق الزمان له فيك، ويشير بذلك إلى أن الزمان يحرمهم لقاءه و يغار عليه و يريد أن ينفرد به دون الناس، وهذه المخالفات النحوية هي التي دفعت النحاة [1] وشراح شعر المتنبي إلى الوقوف طويلًا أمام هذا البيت.
إن كثرة انحراف أبي الطيب المتنبي عن المعايير اللغوية الشائعة وخروجه على خصائص الأسلوب المتعارف عليه ليس دليلًا على ضعف لغة الشاعر وعجزه عن الأخذ بناصية اللغة، بل يبدو أن في ذلك نوعًا من الاحتيال لأنه يريد أن يعبر عن شيء في نفسه لا تؤديه اللغة العادية، فتصرف في اللغة بوعي، واستخدمها استخدامًا يحقق غايته.
وقد أكد أبو الفتح عثمان بن جني أن مثل هذه الانحرافات لا تدل على ضعف لغة الشاعر فهو يفعل ذلك في أداته الفنية إدلالًا بقوة طبعه وسمو نفسه وتعجرفه، وذلك حين شبه الشاعر في تعامله مع لغته الإبداعية بمن يمتطي جوادًا جموحًا بلا لجام، وبمن يجتاز كل طريق مخوف.
يقول في ذلك [2] (( فمتى رأيت الشاعر قد ارتكب مثل هذه الضرورات على قبحها، وانخراق الأصول بها، فأعلم أن ذلك على ما جشمه منه، وإن دلّ من وجه على جوره و تعسفه، فإنه من وجه آخر مؤذن بصياله، وتخمطه، وليس بقاطع دليل على ضعف لغته، ولا قصوره عن اختيار الوجه الناطق بفصاحته، بل مثله في ذلك عندي مثل مجرى الجموح بلا لجام، ووارد الحرب الضروس حاسرًا من غير احتشام، فهو، وإن كان ملومًا في عنفه و تهالكه، فإنه مشهود له بشجاعته، وفيض منته، ألا تراه لا يجهل أن لو تكفر في سلاحه أو اعتصم بلجام جواده، لكان أقرب إلى النجاة، وأبعد عن الملحاة، ولكنه جشم ما جشمه، على علمه بما يعقب اقتحام مثله، إدلالًا بقوة طبعه ودلاله على شهامة نفسه ) ).
وكذلك تجده يجمع كلمة"بوق"على"بوقات"في قوله [3] :
إذا كانَ بَعْضُ النَّاسِ سَيْفًا لِدَوْلَةٍ ... فَفِي النَّاس بُوْقاتٌ لَهَا وَطُبُولُ
أنَا السَّابِقُ الهَادِي إلىَ ما أقُولُهُ ... إذا القَوْلُ قَبْلَ القائِليْنَ مَقُوْلُ
فهو يجمع كلمة"بوق" [4] جمعًا مؤنثا سالمًا على"بوقات"منحرفا بذلك عن النمط اللغوي المألوف، ومخالفًا بذلك القياس الصرفي الذي يقتضي جمعه جمع تكسير فيقال: أبواق، لأن جمع المؤنث السالم له مواضع خاصة.