الصفحة 15 من 30

ب -

يتصرف أبو الطيب في تشكيل أساليبه فهو لا يخضع لقواعد ثابتة مستقرة و هذه هي نواة أدبية الخطاب في شعره، لذا تجده يتصرف في أدائه الفني، ولا يعبأ أحيانًا بنظام ترتيب الكلمات وتوزيعها على النمط المعهود، فيقدم المفعول به على ركني الجملة من غير مسوغ كنفي أو استفهام فيقول (1) :

بغَيْرِكَ رَاعِيًا عَبِثَ الذّئابُ ... وَغَيْرَكَ صَارِمًا ثَلَمَ الضِّرَابُ

أو يقدم ما يجب تأخيره في مثل قوله (2) :

مَكَارِمٌ لَكَ فُتَّ العَاَلَمِيْنَ بِهَا ... مَنْ يَسْتَطِيعُ لأَمْرٍ فَائتٍ طَلبَا

إن أبا الطيب ينفر من استقرار تراكيب الجمل استقرارًا تصبح به القوالب متجمدة، إنه يظهر المرونة في توزيع الكلمات و الجمل و يبدو للمتلقي وكأن له مطلق الحرية ولا يهمه ذلك مادام يحقق الدلالة المطلوبة، انظر إلى قوله (3) :

أنّى يَكُونُ أبَا البَرَايَا آدَمٌ ... وأبُوكَ و الثَّقَلانِ أنْتَ مُحَمّدُ

ويمكن إعادة ترتيب الكلمات وإزالة الانحراف الأسلوبي بقولنا: أنى يكون آدم أبا البرايا وأبوك محمد و أنت الثقلان، ومثل ذلك قوله (4) :

جَفَخَتْ فَهُمْ لا يَجْفَخُونِ بِها بِهِم ... شِيمٌ عَلَى الحَسَبِ الأغَرّ دَلاَئلُ

استعمل جفخت بمعنى فخرت، وأخر الفاعل"شيم"وأقحم قوله"لا يجفخون"بين الفعل وفاعله، ومن الانحراف في التوزيع أيضًا قوله (5) :

أمَا وَحَقِّكَ وَهْوَ غَايَةُ مُقْسِمٍ ... لَلْحَقّ أنْتَ وَمَا سِوَاكَ البَاطِلُ

الطِّيبُ أنْتَ إذَا أصَابَكَ طِيبُهُ ... وَالمَاءُ أنْتَ إذاَ اَغْتَسَلْتَ الغَاسِلُ

أراد: الطيب أنت طيبه إذا أصابك، والماء أنت غاسله إذا اغتسلت، ويكثر في شعره انحراف الفاعل عن موضعه في مثل قوله في سيف الدولة عندما ظفر ببني كلاب (6) :

فَقَاتَلَ عَنْ حَرِيْمِهِم وِفِرّوا ... نَدَى كَفَّيْكَ وَ النَّسَبُ القُرَابُ

وقوله في مدح أبي على هارون بن عبد العزيز الأوراجي الكاتب (7) :

لَمْ تَحْكِ نَائلَكَ السَّحَابُ وَإنِّمَا ... حُمَّتْ بِهِ فَصَبِيْبُها الرُّحَضَاءُ

لَمْ تَلْقَ هَذَا الوَجْهَ شَمْسُ نَهَارُها ... إلاّ بِوَجْهٍ لَيْسَ فِيْهِ حَيَاءُ

وعندما أراد الدكتور إبراهيم أنيس (8) أن يدعم رأيه ويؤكد أن هناك دوافع واعتبارات فرقت بين نظام النثر و الشعر في ترتيب الكلمات قام بجولة في شعر المتنبي وقف بعدها على أنواع من تلك الأساليب التي ينفرد بها الشعر دون النثر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت