فهرس الكتاب
فما حقيقة هذا البدر؟ أهو الأعرابية المحبوبة التي ظعنت مع الظاعنين؟ أم أنه رمز لآماله و طموحاته التي لم يبلغها؟ ..
وفي ختام الحديث عن الانحراف في الاختيار و التوزيع في شعر أبي الطيب المتنبي يطرأ التساؤل التالي: ما مدى الاعتداد بالإلهام و العبقرية في الظاهرة الإبداعية؟ وهل خصائص الأسلوب هي التي تبرز براعة الأديب؟
إن التصرف في الأسلوب عملية واعية تقوم على اختيار أدوات اللغة وتوزيعها واستغلال طاقاتها عن و عي وإدراك، فهل في هذا نقض لمبدأ العبقرية و الإلهام (1) "التولد الذاتي"في النتاج الإبداعي؟ وهو المبدأ الذي يرى أن هناك قوة تلهم الشاعر، وتمكنه من الإبداع كما يمكن المغنطيس قطع الحديد المتصلة به من قدرة الجذب، وتجعل الشاعر الملهم لا يملك وعيه وهو يبدع قصائده، ويبدو أن هناك خيطًا رفيعًا ينظم العلاقة بين الوعي و اللاوعي.
للالتفات قيم جمالية وفنية إذ إنه يفاجئ المتلقي بغير ما يتوقع وفي ذلك إيقاظ للمتلقي وإبعاد له عما قد يصيبه من ملل، فهو يتيح للأديب التنويع بين الصيغ التركيبية المختلفة والتمييز بين ما لها من خواص ويبدو أن هذه الخواص التركيبية هي التي جعلت أبا يعقوب يوسف السكاكي (2) يدرج الالتفات ضمن موضوعات علم المعاني بدلًا من علم البديع.
ولا يهمنا هنا من التفاتات المتنبي إلا ما كان منها مثار نقاش لدى النقاد والمتذوقين ويأتي في مقدمتها ما قاله في رثاء جدته لأمه (3) :
وَإنِيِ لمَنْ قَوْمٍ كَأنَّ نُفُوسَنَا ... بِهَا أَنَفٌ أنْ تَسْكُنَ اللَّحْمَ وَالعَظْمَا
كَذَا أناَ يَا دُنْيَا إِذا شِئْتُ فأذْهَبِي ... وَيَا نَفْس زِيْدِي فِي كَرائهَا قُدْمَا
فَلا عَبَرَتْ بِي سَاعَةٌ لا تُعِزَني ... وَلا صَحِبَتْنِي مُهْجَةٌ تَقْبَلُ الظَّلْمَا
في مطلع الأبيات انحرف عن صيغة الغيبة إلى صيغة التكلم، فقال: إني لمن قوم كان نفوسنا، ولم يقل: كأن نفوسهم لإلصاق الصفات الحميدة بالمتكلم وقومه فهو يرى نفسه أهم القوم الذين عناهم، وهو في حالة فخر وهذه الخصال التي ذكرها هي خصال قومه، وهذا ما جعله ينحرف عن ضمير الغيبة ويستخدم ضمير المتكلم، مما جعل المتلقي يشعر بجمال الأداء في هذه الأبيات.
إن موقف بعض النقاد القدامى من التفاتات المتنبي مثار عجب و دهشة، وبخاصة القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني الذي ذكر أراء الذين عابوا التفاتات المتنبي وعدوها من شنيع ما وجد في شعره، ثم ذكر ردود الذين دافعوا عنه وبينوا أن ذلك من أساليب العرب في كلامها واستعرضوا ما ورد من ذلك في كتاب الله العزيز وأشعار العرب