الصفحة 19 من 30

ويعرض الجرجاني عددًا من النماذج ثم يفاجئنا بقوله [1] : (( وأبيات أبي الطيب تعتبر عندي غير مستكرهة في قسم الجواز، وقد بلغ هذا المحتج منه مبلغًا غير أن أبا الطيب عندي غير معذور بتركه الأمر القوي الصحيح إلى الشكل الضعيف الواهي لغير ضرورة داعية ولا لحاجة ماسة، إذ موقع اللفظيين من الوزن واحد، لو قال: نفوسهم، لأزال الشبه ودفع القالة ... ) )ويقول أيضًا [2] : (( إن هذه القضية إذا استمرت على ظاهرها، واقتصر على القدر المذكور منها اختلطت الكنايات وتداخلت الضمائر ولم ينفصل غائب عن حاضر، ولم يتميز مخاطب ... ) )

لقد أجاز القاضي الجرجاني للمتنبي هذا النوع من الالتفاتات لكنه يفضل الأصول النحوية على الجوانب الجمالية، يريد منه أن يتبع الأصول النحوية في الضمائر مادام الشاعر غير مضطر، بالإضافة إلى أن اتباع الأصول لا يخل بالوزن وهذا ما أثار بعض نقاد عصرنا الحديث الذين يرون أن المتنبي شاعر كبير له طبعه وروحه، وهو حريص على أن يؤدي ما في نفسه، وأعرف بمصادر الجمال من ناقده، يقول الدكتور محمد مندور [3] : (( آثر الشاعر: وإني لمن قوم كأن نفوسنا، وكان لهذا الإيثار دلالته النفسية، لنا نحن نقاد اليوم، فهو يشعر بامتلاء الشاعر بنفسه وإيثاره للضمير(نا) ضمير المتكلم الذي يستحضر قائله، الشاعر يفتخر، وهل أبلغ في هذا من الضمير (أنا) و (نحن) و (نا) يشدون أزره، فزاد إحساسه بشرف الانتماء إليهم، فلم يجد للتعبير عن هذا الإحساس خيرًا من أن يجمع بينهم وبين نفسه في الضمير (نا) . )).

ومن الانحرافات الأسلوبية التي اتخذت من الالتفات قالبًا لها و عابها خصوم الشاعر وأجازها له القاضي الجرجاني ولم يعذره في استعمالها ما جاء في البيت الأول من مدحه لسيف الدولة [4] :

كَرِيْمٌ مَتَى اسْتُوهِبْتَ مَا أنْتَ رَاكِبٌ ... وَقَدْ لقَحَتْ حَرْبٌ فَإنَّكَ بَاذِلُ

إذَا الجُود أعْطِ النَّاس مَا أنْتَ مَالكٌ ... وَلا تُعْطِيَنَّ النَّاس مَا أنا قائلُ

أفي كُلّ يَوْمٍ تَحْتَ ضِبْنِى شُوَيْعِرٌ ... ضَعِيْفٌ يُقاوِيْنِىِ قَصِيْرٌ يُطاوِلُ

لِسَانِي بنُطِْقي صَامِتٌ عَنْهُ عَادِلٌ ... وَقَلبْي بصَمْتِيَ ضَاحِكٌ مِنْهُ هَازِلُ

ومثل ذلك ما ورد في البيت الثالث من قوله [5] :

يَا سَيْفَ دَوْلةِ هَاشِمِ مَنْ رَامَ أنْ ... يَلْقَى مَنَالَكَ رَامَ غَيْرَ مَرَامِ ..

فَلَقَدْ رَمَىِ بَلَدَ العَدُوِّ بِنَفْسِهِ ... فِي رَوْقِ أرْعَنَ كالغِطَمِّ لُهَامِ

قَوْمٌ تَفَرَّسَتْ المَنَايَا فِيكُمُ ... فَرأتْ لكمْ فِي الحَرْبِ صَبْرَكرَامِ

تَاللهِ مَا عَلِمَ أمْرُؤٌ لَوْ لاكُمُ ... كَيْفَ السَّخَاَءُ وكَيْفَ ضَرْبُ الهَامِ

انتقل في البيت الثالث من صيغة الغيبة إلى صيغة الخطاب فقال: فيكم، وقال: فرأت لكم، ولم يقل تفرست المنايا فيهم فرأت لهم، لاستحسان أفعال الممدوح وقومه وإظهار الرغبة في النظر إليه ومخاطبته وجلب المسرة إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت