فهرس الكتاب
وقد قال الدكتور مندور بعد أن استعرض عددًا من الالتفاتات التي عابها خصوم المتنبي (1) : (( فهذه كلها أمثلة لما يسمونه اليوم في علم الأساليب بكسر البناء Rupture de syntaxe وهو عبارة عن الخروج على قواعد اللغة التماسًا لجمال الأداء وروعته، وإنما يباح هذا لكبار الكتاب، بل يحمدون من أجله، وهم لا يأتونه عن جهل بالقواعد أو غفلة في العبارة وإنما يقصدون إليه لأغراض لا حصر لها، وإن استطعنا أن نحسها في كل حالة بذاتها ) ).
وأساليب الالتفات التي أثارت المتلقين وخاصة النقاد لم تقتصر على صيغ الخطاب و التكلم و الغيبة بل هناك صور أخرى كالانتقال من خطاب الجمع إلى خطاب الاثنين، انظر إلى قوله (2) .
أرأيْتَ همَّةَ ناقَتِي في نَاَقةٍ ... نَقَلَت يَدًا سُرُحًا وَخُفًّا مُجْمَراَ
تَرَكْتَ دُخَانَ الرَّمْثِ فِي أوْطَانِهَا ... طَلَبًا لِقَوْم يُوْقِدُوْنَ العَنْبَراَ
وَتَكَرَّمَتْ رُكَابَاتها عَنْ مَبْرَكٍ ... تَقَعَانِ فِيْهِ وَلَيْسَ مِسْكا أذْفَراَ
فَأتَتْكَ دَامِيَةَ الأظَلّ كَأنمَّا ... حُذِيَتْ قَوَائمُها العَقَيْقَ الأحْمَرَا
انتقل في البيت الثالث من الجمع إلى التثنية فقال قال: وتكرمت ركباتها، ثم قال: تقعان فيه، وذلك أن أقل الجمع اثنان فجاز أن يعبر عن الاثنين بالجمع، ولم يعجب ذلك أبا منصور الثعالبي ولذا قال (3) : (( جمع الركبات ثم انتقل إلى التثنية فقال تقعان، وهو ضعيف وغير سديد في صناعة الإعراب ) ).
ومثل ذلك قوله في بداية القصيدة التي مدح بها القاضي أبا الفضل أحمد بن عبد الله الأنطاكي (4) :
لَكِ يَا مَنَازِلُ في القُلُوبِ مَنَازِلُ ... أقْفَرْتِ أنْتِ وَهُنَّ مِنْكِ أَوَاهِلُ
يَعْلَمْنَ ذَاَكَ وَمَا عَلِمْتِ وَإنّمَا ... أوْلا كُمَا يَبْكِي عَلَيْهِ العَاقِلُ
يخاطب الشاعر المنازل الخالية و يخبرها أن لها منازل في القلب عامرة مأهولة ويقول لها: إن تلك المنازل التي في القلب تعلم بحالك وحالها، ولكن الشاعر كسر التتابع النحوي عن طريق الالتفات فقال: يعلمن ذاك ولم يقل: يعلمن تلك أي تلك الحال أو تلك المنزلة أو المنازل، وقد استوقف هذان البيتان الدكتور محمد حماسة عبد اللطيف عند حديثه عن الجملة في الشعر العربي، فبعد أن بين أن الشاعر أراد أن يصدم المألوف من أول القصيدة قال (5) : ... (( ويتضح في قوله: وهن منك أواهل، إذ أعاد ضمير جمع المؤنث(هن) إلى القلوب، وأكد هذا الاستعمال في البيت الثاني وجعل اسم الإشارة"ذاك"-وهو للمفرد المذكر، وقد اتصل بحرف الخطاب للمفرد المذكر كذلك - إشارة إلى المنازل التي في القلوب وأقفار هذه المنازل المخاطبة مع أن القلوب أواهل بها ... )).