فهرس الكتاب
إن مهارة أبي الطيب الفنية مكنته من استغلال الانحرافات الأسلوبية الناجمة عن الالتفات استغلالًا تامًا وتطويع ذلك للمواءمة بين صراعاته النفسية المحتدمة وأدواته اللغوية.
المتنبي لا يسير على نمط واحد من الانحرافات الأسلوبية المتعلقة بالإيقاع، فأحيانًا ينحرف بالتركيب من أجل الإيقاع، وأحيانًا ينحرف بالوزن لملاءمة الصراعات النفسية المحتدمة.
ومن مظاهر مساهمة انحراف المستوى التركيبي في الإيقاع إنه حين ينحرف في تركيب شطر بيت بالتقديم و التأخير يلتزم نفس التركيب في الشطر الثاني بحيث يحدث تقابل في تركيب شطري البيت مما يؤدي إلى خلق نغمة موسيقية متميزة تقوم على التماثل التركيبي التام بين صدر البيت و عجزه، انظر إلى قوله (1) :
وََلَكَ الزَّمَانُ مِنَ الزَّمَانِ وِقَايَةٌ ... وَلَك الِحَمامُ مِنَ الِحمَامِ فِدَاءُ
ويبدو التقابل في تركيب الشطرين على النحو الآتي:
الواو / الواو، لك / لك، الزمان / الحمام، من / من، الزمان/ الحمام، وقاية / فداء.
وقد يأتي الانحراف الأسلوبي من أجل القافية فيرتب أجزاء الجملة بطريقة خاصة، ولو خالف ذلك الأصول العامة لتركيب الجملة، فيقدم بعض أجزاء الجملة ويؤخر بعضها حتى تستقر لفظة القافية في موضعها المناسب، انظر إلى قوله (2) :
حَمَلْتُ إلَيْهِ مِنْ لِسَانِي حَدِيْقَةً ... سَقَاهَا الحِجَا سَقْيَ الرِّيَاضِ السَّحَائبِ