العلماء في مختلف الأمصار الإسلامية، فأسهم في علاجها علماءُ لم يكونوا من أصل عربي كما أسهمت فيها جميعُ المدارس والتجمعات النحوية، وقد شارك في هذا كثير من العلماء المتخصصين في فنون أخرى من العلم، كالمفسرين والأصوليين والأدباء وغيرهم، وذلك لأن هذه المشكلة لم تكن مشكلة لغوية أو إقليمية مجردة، بل هي مشكلة لها جانبها الديني، مما يُدَلِّلُ على أن المستوى الثقافي مرتبط أوثق الارتباط بالمستوى اللغوي، وينبئ أن هؤلاء كانوا يعون أن ضحالة المقدرة اللغوية تُسْلِمُ دائما إلى هبوط مُعْطَيَاتِ جميع مجالات الثقافة، لغوية كانت أو غيرها [1] .
ولقد كان من مظاهر جهود العلماء في مواجهة مشكلة تعليم النحو قيامهم بكتابة مؤلفات تهدف إلى تسهيله سعيا إلى إدراكه والتمكن منه، وكانت لغة التأليف المنتشرة في القرون الأولى هي النثر، وذلك طَبَعِيٌّ؛ إذ إن النثر هو القادر على تحديد القواعد العلمية والتعبير عنها دون أن تقع ضحية التزام ما يفرضه النظم من ضوابط إيقاعية، وكانت لغة النثر في هذه المصنفات تتسم بما تتسم به لغة العلم من وضوح ودقة ومباشرة جميعا [2] .
والشعر كان مستأثرا بنصيبٍ من الاهتمام في تراثنا الإسلامي، فقد حَفِظَ بِهِ العربُ قبل الإسلام جزءًا كبيرا من تاريخهم وتراثهم، ومآثرهم وعاداتهم وأحوالهم الاجتماعية، وما ذاك إلا لخفته على ألسنتهم، وسهولة حفظه وروايته. وبما أن العلم يحتاج إلى حفظ القواعد والأحكام فَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ على من لم يحفظ، فقد
(1) ينظر تعليم النحو العربي ص 53 ـ 55.
(2) ينظر تعليم النحو العربي ص 60.