فَطِنَ مُصَنِّفُو العلومِ وبخاصة النحوُ إلى أنه بالإمكان توظيفُ نظمِ الشعر وإيقاعاته في صياغة منظومات نحوية تُسهم في تسهيل تَعَلُّمِه، وتيسير حفظ قواعده وتُمكِّن من استيعابه، وسرعة استحضاره وقت الحاجة؛ لأن حفظ القاعدة هي الوسيلة الْمُثْلَى للابتعاد عن اللحن والتعبير بلغة فصحى.
وقد لجأ علماء النحو إلى النظم؛ نظرا لحرصهم على تعليم النحو، ولهذا كَثُرَ النَّظْمُ النحوي بين قصيدة على قافية واحدة إلى أرجوزة متعددة القوافي، وبين نَظْمٍ في مسألة واحدة من مسائله إلى نَظْمٍ يستغرق كل أبوابه ومسائله [1] .
والذي يعنينا هنا هو الحديث عن المنظومات النحوية، فالمنظومات النحوية نوع من الشعر التعليمي، وهو النظم الذي يهدف به ناظمه إلى تعليم الناس وتزويدهم بالحقائق والمعلومات المتعلقة بحياتهم [2] ، وهو يعتمد على النظر العقلي الذي يُقرِّب من موضوعية التناول والحكم، وما تفرضه هذه الموضوعية من تجرد من المؤثرات الخارجية، فهو يختلف عن الشعر؛ لأن الشعر يصدر عن نظرة عاطفية تعتمد على إحساس جَيَّاش، وتعبِّرُ في إطار من التشبيه لترتكز على تأثير عاطفي مباشر.
واختلفت آراء الباحثين في نشأة الشعر التعليمي لدى العرب، فذهب كثير منهم إلى أن العرب لم يعرفوا هذا اللون من الأدب إلا في القرن الثاني الهجري، ثم ذهب بعض هؤلاء إلى أنه نَشَأَ نشأةً عربية خالصة [3] ، وذهب بعضهم إلى أنه نشأ
(1) ينظر الفصول الخمسون (قسم الدراسة) ص 29، وتنظر المنظومات النحوية في المبحث التالي.
(2) ينظر حول الشعر التعليمي ص 206 (مجلة الجامعة الإسلامية، السنة 13، العدد 52) .
(3) من هؤلاء الدكتور طه حسين. ينظر حديث الأربعاء 2/ 220، والدكتور شوقي ضيف. ينظر التطور والتجديد في الشعر الأموي ص 352.