وقد حرص النحاة الأوئل على تسهيل القضاء على هذه الصعوبة حرصا منهم على الإسلام ولغته، فقاموا بجهود كبيرة في نشر علمهم، إما بتعليمه وإما بالتأليف فيه، وكانت لغة التأليف المنتشرة في القرون الأولى هي النثر، ثم بعد ذلك فَطِنَ النحاة إلى أنه بالإمكان توظيفَ نظمِ الشعر وإيقاعاته في صياغة منظومات نحوية تُسهم في تسهيل تَعَلُّمِه، وتيسير حفظ قواعده بسرعة؛ لأن الشعر ـ كما هو معروف ـ أسهل حفظا من النثر [1] ، فتوالت جهودهم في هذا المجال، وكان القرن السادس وما بعده هو عصر انتشار المنظومات، فبرزت فيه المنظومات الطويلة التي تبلغ ألف بيت أو أكثر [2] ، والتي تتسم بجمع شَتَات العلم الذي نُظمت فيه إضافة إلى أصوله وكثير من فروعه [3] ، بدليل أن ابن معطٍ لم يدَّعِ في ألفيته أنها فائقة غيرها كما فعل ابن مالك والسيوطي وغيرهما [4] ، وهذا يدل بوضوح على عدم وجود ألفية قبله.
وقد اتسمت المنظومات الطويلة بمجيئها من بحر الرجز غالبا، وبخاصة المزدوج منه [5] ، ومجيئها من بحور أخرى إذا كانت المنظومة غير طويلة، وما ذاك إلا لأن بحر الرجز أوفى بحور الشعر نغما وأكثرها مطاوعة في تفاعيله للزحافات والعلل، بالإضافة إلى أن المشطور منه يسقط فيه الالتزام بقيد القافية، وأصحاب
(1) ينظر التعلم نفسيا وتربويا ص 289 و 291، والتعلم أسسه ونظرياته وتطبيقاته ص 64.
(2) ينظر الشعر التعليمي ضمن مقالات منتخبة ص 412، وسرد المنظومات في المبحث السابق.
(3) ينظر الشعر التعليمي ضمن مقالات منتخبة ص 409.
(4) ينظر حاشية الخضري على شرح ابن عقيل 1/ 12.
(5) يستثنى من هذا منظومة نهاية البهجة للشيشري التي تقع في أكثر من 900 بيت، ولامية الآثاري التي تقع في 499 بيتا.