الصفحة 80 من 112

المسوغ الثاني: أن كثرة الحفظ أمر مُسْتَحْسَنٌ في المجتمع الإسلامي، فلقد كان المسلمون يتباهون بمقدار حفظهم، ومن أمثلة هؤلاء أبو هريرة - رضي الله عنه - [1] ، وأبو بكر بن الأنباري [2] وغيرهما، إلى درجة أن الحفظ صار لقب فخر واعتزاز لهم، فأصبحوا يُلقَّبون بالحفَّاظ، كالحافظ الذهبي والحافظ ابن كثير والحافظ ابن حجر وغيرهم، وقد بقي شيء من هذه العادة إلى يومنا هذا، ولكن ينبغي أن ندرك أنهم يقصدون بالحفظ الحفظَ المقترن بالفهم كما يأتي بيانه.

وهذه المسوغات لا تزال قائمة إلى وقتنا هذا، ولذا لا ينبغي لنا أن نَنْبِذَ عملية الحفظ بدعوى مناهضتها لعملية الإبداع من فهم وتحليل وغيرهما؛ لأن عملية الإبداع تقوم أساسا على الحفظ، وهذا ما أكده التربويون الْمُحْدثون، فقد ذكروا أن الدرجة الأولى من درجات المجال المعرفي هي الحفظ [3] ، لكن ينبغي لنا الجمع بين الحفظ والاستنباط؛ لأن المتعلِّم إذا أهمل الاستنباط لم تسرع إليه المعاني، وإذا أهمل الحفظ لم تَعْلَق المعاني بقلبه [4] ، والجمع بين الحفظ والاستنباط هي الطريقة التي درج عليها معلم البشرية الأول - صلى الله عليه وسلم -، فلقد كان - صلى الله عليه وسلم - لا يتجاوز تعليم الصحابة - رضي الله عنهم - عشر آيات حتى يَعْلَمُوا ما فيها من العلم والعمل [5] .

وهذا لا يعني أن الحفظ عند المسلمين كان غاية، بل هو وسيلة، وإنما الغاية عندهم هو الفهم والاستنباط، يقول الحاج خليفة (1067 هـ) [6] : (اعلم أن من

(1) ينظر صحيح البخاري 1/ 55.

(2) ينظر طبقات النحويين واللغويين ص 153.

(3) ينظر أساسيات المناهج للدكتور محمد المكاوي ص 161.

(4) ينظر رسالة الجاحظ في الْمُعلِّمين المطبوع ضمن رسائل الجاحظ 3/ 29.

(5) ينظر مسند الإمام أحمد 6/ 569.

(6) ينظر كشف الظنون 1/ 44.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت