كان عنايته بالحفظ أكثر من عنايته إلى تحصيل الْمَلَكة لا يحصل على طائل من مَلَكة التصرف في العلم، ولذلك ترى من حصَّل الحفظ لا يُحسِن شيئا من الفن، وتجد مَلَكَتَهُ قاصرةً في علمه إن فاوض أو ناظر، ومَنْ ظنَّ أنه المقصود من الملكة العلمية فقد أخطأ، وإنما المقصود هو مَلَكَة الاستخراج والاستنباط وسرعة الانتقال من الدوالِّ إلى المدلولات ومن اللازم إلى الملزوم وبالعكس، فإن انضم إليها ملكة الاستحضار فنعم المطلوب، وهذا لا يتم بمجرد الحفظ، بل الحفظ من أسباب الاستحضار، وهو راجع إلى جودة قوة الحافظة وضعفها).
وأيضا مما يدل على أن الغاية لدى واضعي المنظومات ودارسيها لم تكن الحفظ وحده، بل الحفظ مع الفهم قولُ ابن الوردي (749 هـ) عن ألفية ابن مالك [1] :
يا عائبًا ألفيَّةَ ابْنِ مالكِ ... وغائبا عن حفظها وفهمها
أَمَا تراها قد حَوَتْ فضائلا ... كثيرةً فلا تَجُرْ في ظُلْمِها
وازْجُرْ لمن جادل مَنْ يحفظها ... برابعٍ وخامسٍ مِنِ اسمها [2]
والمنظومات وسيلة ناجحة من وسائل التعليم ونقل العلم، ومما يدل على قوتها مقدرتُها على حمل التراث النحوي، ولم تكن جميع المنظومات على مستوى واحد في القوة والثبات، إذ وجدنا بعض المنظومات ضعيفا رواجها ومقتصرا على زمن قصير، وبعضها كبيرا رواجها، وانتشارها تجاوز قرونا كثيرة، فالمنظومات المستقلة التي لا ترتبط بكتاب آخر كثيرة؛ إذ تجاوزت سبعين منظومة [3] ، إلا أنه
(1) ينظر نفح الطيب 2/ 231.
(2) اسم ألفية ابن مالك «الخلاصة» ، والحرف الرابع والخامس منها هو «صه» ، أي: اسكت.
(3) لم أقف على تحديد عدد المنظومات لأنه ذُكر أن لمحمد بن أحمد البالسي (713 هـ) ولعمر اللخمي البسلقوني (بعد 844 هـ) عدة أراجيز في العربية من غير تحديد، وقد جعلتُ لكلٍّ واحد منهما في العدِّ ثلاثا؛ لأن هذا أقل الجمع.