(بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاءٌ كغثاء السيل لينزعن الله عن صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الوهن في قلوبكم) ، قال قائلٌ: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: (حب الدنيا وكراهية الموت) .
فدل الحديث على أن الرغبة في الدنيا والإعراض عن الأخرى رأس كل خطيئةٍ وسبب الهلاك والدمار وتسلط الأعداء وفشل الأعمال.
ولقوله تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبنآؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموالٌ اقترفتموها وتجارةٌ تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهادٍ في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لايهدي القوم الفاسقين} .
فبين سبحانه إن كان الأهل والمال أحب إليهم من الله ورسوله وجهادٍ في سبيله فيتربصوا حتى يأتي الله بأمره فلم يرض منهم أن يكون حبهم لله ورسوله كحب الأهل والمال، بل حتى يكون الجهاد في سبيله الذي تمام حبه وحب رسوله أحب إليهم من المال والأهل، فهذا يقتضي أن يكون حبهم لله ورسوله مقدمًا على كل محبة وأن يكون الجهاد في سبيله أحب إليهم من الأهل والمال، فإن ذلك هو تمام الإيمان الذي ثوابه حب الله ورسوله، كما وصفهم الله بذلك في قوله: {يحبهم ويحبونه أذلةٍ على المؤمنين أعزةٍ على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسعٌ عليم} .
فأخبر سبحانه بذلهم للمؤمنين وعزهم على الكافرين وجهادهم في سبيل الله وأنهم لا يخافون لومة لائم، فلا يخافون لوم الخلق لهم على ذلك، وهؤلاء هم الذين يحتملون الملام والعذل في حب الله ورسوله والجهاد في سبيله، والله يحبهم وهم يحبونه.
وذروة سنام ذلك؛ الجهاد في سبيل الله، فإنه أعلى ما يحب الله ورسوله، واللائمون لهم كثيرٌ، إذ كثير من الناس الذين فيهم إيمان يكرهونه، وهم إما مخذلون مفترون للهمة، وإما مرجفون مضعفون للقوة والقدرة، وإن كان ذلك من النفاق لقوله تعالى: {قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلًا} ، وقوله {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلًا} .
وقال طائفة من السلف: (ادعى قوم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يحبون الله، فأنزل الله هذه الآية: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} ) ، فجعل حب العبد لربه موجبًا