وما أحسن ما قال ابن المبارك:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك في العبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه ... فنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطل ... فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب
ولقد أتانا من مقال نبينا قول صحيح صادق لا يكذب
لا يستوي غبار خيل الله في أنف امرىء ودخان نار تلهب
هذا كتاب الله ينطق بيننا ... ليس الشهيد بميت لايكذب
فهنيئًا لكم أيها الأبطال.
واعلموا إنّ محبتكم أيها الإخوة والإنتصار لكم والذبّ عن أعراضكم من أعظم الأغراض الشرعية، كما ذبيتم عن أعراض إخوانكم المسلمين ودافعتم عن حوزة الدين، بل إن محبتكم علامة للإيمان وبراءةٌ من النفاق، كما جاء في الصحيحين: (آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار) ، وفي الحديث الأخر: (الأنصار لايحبهم إلامؤمن ولايبغضهم إلامنافق فمن أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله) ، و (المرء مع من أحب) ، و (لا يحب رجلٌ قومًا إلا حشر معهم) ، (والمرء على دين خليله، فلينظرأحدكم من يخالل) ، و (أوثق عرى الأيمان الحب في الله والبغض في الله) ، و (من أحب في الله وأبغض في الله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان) ، و (هل الدين إلا الحب في الله والبغض في الله) ، وقال ابن مسعود: (اعتبروا الناس بأخدانهم) ، وكما قيل:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرينٍ بالمقارنِ يقتدي
والمقصود بهذا؛ ما شاع وذاع من إعراض المنتسبين إلى الإسلام عن دينهم حتى آل الأمر بأكثر الخلق إلى عدم النفرة من أهل ملل الكفر وعدم جهادهم، وانتقل الحال حتى دخلوا في طاعتهم واطمأنوا إليهم وطلبوا صلاح دنياهم بذهاب دينهم، وتركوا أوامر الله ونواهيه، وهم يدرسون القرءان آناء الليل والنهار ويقررون التوحيد في مجالسهم ومحافلهم، وهذ لاشك أنه من أعظم أنواع الردة والإنحياز إلى غير ملة الإسلام ودخولٌ في ملة النصرانية وعباد الأوثان - عياذًا بالله من ذلك - حتى كأنهم في أزمنة فترات لم يأنسوا بنور النبوات ولم يستضيؤا بوحي الرسالات، حتى نسوا قوله تعالى: {يأيها الذين ءامنوا لاتتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لايهدي القوم الظالمين} ، وقوله: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم} ، وقوله: يأيها