فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 234

وهؤلاء المنافقون الذين احتجّوا بخوف الفتنة، هم أنفسهم من ذكر الله عنهم قبل هذه الآية بآية السعي في الفتنة فقال: (لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورُ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ) . فهم يسعون في الفتنة في سائر أحوالهم، وإذا جاء الجهاد تعللّوا بالفتنة واحتجّوا بها ليهربوا عن هذه الفريضة.

وقد وقع المنافق الذي احتجّ بهذه الحجّة، واعتذر بهذا العذر في أمرين عظيمين، استوجب بهما خاتمة هذه الآية:

فقد استأذن للتهرب من فرض الجهاد، وليس من صفة المؤمنين الاستئذان للتهرب من فروض الأعيانِ، وإنَّما يستأذن من لم يُؤمن وارتاب قلبُه، فهو يتردَّد في ريبِه.

ثمَّ علَّل الاستئذان بخوف الفتنة، وقدَّم رأيَه على النصِّ، ورأى أنَّه أعلم بالفتنة وأسبابِها، فسلك الطريق الَّذي انتهى إليه نظره وهواه، وسقط في الفتنة حقًّا.

ولمَّا كان اعتمادهم على عقولهم القاصرة الضعيفة، وكلهم الله إليها، فكان ما رأوه مخرجًا من الفتنة أكبر أسبابِها وأعظم وسائلها، وفرُّوا من الفتنة فسقطوا في أعظم الفتن، وأيُّ فتنةٍ أعظم من فتنة النفاق والقعود عن الجهاد المتعيّن، بل والتهرّب عنه وإقناع النفس بأنَّه مصيبٌ في تركه له وتهرّبه منه؟!

وهكذا كلُّ من ترك أمر الله يريد تحصيل مصلحةٍ يراها في المعصية وترك الواجب، فإنَّه يسقط في أشدَّ ممَّا فرَّ منه وأعظم مما لجأ إليه، وقد رأينا اليوم في واقعنا، من يُطالب بترك الجهاد وترك الصدع بالكفر بالطاغوت لئلاَّ يتسلَّط العلمانيُّون، ثمَّ ما لبثنا أن رأيناه في صفِّ العلمانيين بل يكاد يكون أنشط الداعين إلى مبادئهم وأفكارهم، وأبرز المشاركين في مؤتمرهم وحوارهم، مع علمه أنَّه مبنيٌّ على ولاء غير ولاء الإسلام، ورايةٍ ليست راية لا إله إلا الله.

والَّذي دعا لترك الجهاد والصدع بتكفير المرتدِّين لئلا يتسلط الطاغوت على المسلمين، ما لبثنا أن رأيناه في صفِّ الطاغوت دون تحفّظ أو احترازٍ، حتَّى صار مقدَّم ذلك الصفِّ وحامل رايته والعياذ بالله.

وأعظم أسباب الفتنة مخالفة أمر الله ورسوله، قال جل وعلا: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) والفتنة الشركُ، ويدخل في معنى الفتنة ما دونه من معاقبة المخالف في دينِه، فحذّر الله المخالف عقوبتين: الفتنة في الدين، والعذاب الأليم في الدنيا، فكل شر ووبالٍ يخشاه العبد ويتّقيه، يحصل بمخالفة أمر الله عز وجل، ورسوله صلى الله عليه وسلم.

فالَّذي يستأذن ليترك الجهاد يسلك باستئذانه سبب الفتنة الأعظم، من مخالفة أمر الله ورسوله، فكيف يدّعي أن استئذانه خوف الفتنة؟ ألا في الفتنة سقطوا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت