فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 234

وعدوه من الحكم بغير ما أنزل الله، فأفهمهم أنَّ المصحف لا يُمكن أن يتكلَّم وإنَّما يحكم الحكَّام بما يأخذونه منه.

ولهذا أيضًا: استدل علي بن أبي طالبٍ بآية التحكيم في قوله تعالى: (فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا، وبالتحكيم في ثمن صيد الحرم كما قال تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} .

فلو تأمَّلتَ هذا الوجه، لرأيتَ أن لو حكى حاكٍ الإجماع على كفر من حكم بغير ما أنزل الله معتمدًا عليه وحده لم يكن بعيدًا، والله أعلم.

ومن سنن المرجئة التي شهد بها التاريخ عليهم، رميُ دُعاةِ التَّوحِيد بالخارجيَّة والتَّكفير بلا بيِّنة، ودون تحريرٍ لمذهبِ الخوارجِ ومعرفة به، فممن رُمِيَ به لتكفيره المستحقّ:

• إمام أهل السنة أحمد بن حنبلٍ، فنقل ابن تيمية عن الخلاّل في كتاب السُنّة قال: قال أبو عبد الله: بلغني أنَّ أبا خالد وموسى بن منصور وغيرهما يجلسون في ذلك الجانب فيعيبون قولنا، ويدّعون أنَّ هذا القول: أنَّه لا يُقال مخلوق وغير مخلوق، ويعيبون من يكفّر، ويقولون إنّا نقول بقول الخوارج، ثم تبسّم أبو عبد الله كالمغتاظ، ثم قال: هؤلاء قوم سوء.

• شيخ الإسلام ابن تيميَّة، كما تجده في كتب كثيرٍ من خصومِهِ من معاصريه وممن بعده، ولا تجده أوفى منه في كتب محمد زاهد الكوثري الجهمي الوثني القبوري، وتجد تردادها وتكرارها أكثر مما قيل في زمن الإمام أحمد لأن الإرجاء كان قد انتشر في زمن شيخ الإسلام بانتشار الأشعريَّة ونشرهم ضلالهم وباطلهم في مسألة الإيمان.

• شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهَّاب: وقد انتشرت هذه التهمة عنه أكثر مما قيلت في شيخ الإسلام ابن تيمية، وذكر أنَّ أكثر خصومه لم يُخالفوه في حقيقة التوحيد، وإنَّما خالفوه في التكفير بذلك والجهادِ عليهِ، وقيلت لمن بعده أكثر مما قيلت له، وكُلَّما درس العلم وتأخَّر الزمان وازداد الإرجاء انتشرت هذه التُّهمة، ولا يزال موصومًا بها أهل السُّنَّة على لسان كلِّ مرجئٍ اليوم.

ولولا تأخُّرُ نشوءِ المُرجئَة، لسمَّوا أبا بكرٍ الصِّدِّيْقَ ومن معه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خَوَارجَ، بتكفيرهم المرتدِّيْنَ من العرب، والله أعلم، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.

عبد الله بن ناصر الرشيد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت