كان العالم والحاكم محبين للرياسة متبعين للشهوات لم يتم لهما ذلك إلا بدفع مايضاده من الحق، ولاسيما إذا قامت له شبهة فتتفق الشبهة والشهوة ويثور الهوى فيختفى الصواب وينطمس وجه الحق، وإن كان الحق ظاهرا لا خفاء فيه ولا شبهة فيه أقدم على مخالفته، وقال؛ لي مخرج بالتوبة، وفى هؤلاء واشباههم قال الله تعالى؛"فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَاخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَاتِهِمْ عَرَضٌ مُّثْلُهُ يَاخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُوا عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ"، فأخبر سبحانه أنهم أخذوا العرض الادنى مع علمهم بتحريمه عليهم، وقالوا سيغفر لنا، وان عرض عليهم عرض اخر اخذوه، فهم مصرون على ذلك، وذلك هو الحامل لهم على ان يقولوا على الله غير الحق، فيقولون هذا حكمه وشرعه ودينه، وهم يعلمون ان حكمه وشرعه ودينه خلاف ذلك، أو لايعلمون ان ذلك دينه وشرعه وحكمه، فتارة يقولون على الله ما لا يعلمون وتارة يقولون على الله ما يعلمون بطلانه ... )، إلى ان قال: (وهؤلاء لا بد ان يبتدعوا في الدين مع الفجور في العمل فيجتمع لهم الامران، فإن اتباع الهوى يعمى عين القلب فلا يميز بين السنة والبدعة أو ينكسه فيرى السنة بدعة والبدعة سنة، فهذه أفة العلماء إذا أثروا الدنيا واتبعوا الرياسات والشهوات، وهذه الايات فيهم وهى قوله تعالى؛"وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شيءنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إلى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أو تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ"، فهذا مثل السؤ الذى يعمل بخلاف علمه) أهـ من كتاب الفوائد.
فحذار من الاصناف التى ذكرها ابن القيم؛ أن يلبسوا الحق من اجل رغبتهم في دنيا من يعيشون تحتهم أو لرهبتهم من سلطانهم وجبروتهم، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول كما في حديث البخارى ومسلم (اليد العليا خيرا من اليد السفلى فاليد العليا هى المنفقة واليد السفلى هى السائلة) .
قلت: ما دام ذلك معلوم؛ أن ايدى من يعيشون تحت سلطان وسيطرة غيرهم وينفق عليهم فأيديهم هى السفلى، فالأن إجتمعت الرغبة والرهبة، فلذلك لا تستطيع اليد السفلى ان تقيم اليد العليا، فهم لا يستطيعون ان يقيموا من فوقهم لخوفهم منهم ولا يستطيعون ان يفارقوهم لرغبتهم فيما عندهم.
وقد ذكر بن القيم كلاما في هذا الموضوع من ناحية الرغبة والرهبة وأن يكون الناس في جانب والله ورسوله في جانب، فنذكر الشاهد من كلامه في هذه الاصناف من كتاب"الفوائد" [ص115] مانصه: (فكن في الجانب الذى فيه الله ورسوله، وإن كان الناس في