وهذا المتسرع قد تقول الله بغير علم، وقد قرن الله تعالى القول عليه بغير علم بالشرك، فإذا كثر قول صاحب الحديث وتراجعه انتزعت منه الثقة وبحث عن غيره، وبهذا يكون قد جنى على نفسه بتصرفه الخاطئ، بحيث يتخذ الاعمى ووليه ذلك التصرف منه حجة لهم لتفريق الناس وتنفيرهم عن السنة وأهلها، وسبب ذلك انه ما فقه السنة بل اشتغل بالتجريح والتعديل وجعله اكثر همه، ولم يفقه قول الرسول صلى الله عليه وسلم الذى في البخارى: (لايزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا) ، فانظر إلى هذه الكلمة العظيمة وهى تحرى الصدق، فوالله ما ارتفع قدر أهل الحديث إلا بذلك، فتجد اكثرهم تثبتا أعظمهم منزلة عند أهل الاسلام، كالبخارى وغيره.
وربما يدخل الشيطان عليه من أحد مداخله الكثيرة، ومن ذلك قوله"ان التراجع إلى الحق فضيلة"، فنقول له؛ كذلك عدم التثبت رذيلة، وإنما الفضيلة والورع هو الابتعاد من ان تنشر بين صفوف المسلمين ما لم يثبت، والمسلمون ليسوا في قبضتك ولا عضو من اعضائك تقيمه متى تشاء، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما في البخارى - في الرجل الذى يشق شدقه حتى يبلغ قفاه؛ أنه يكذب الكذبة فتبلغ الافاق.
فأقول؛ اترى هذه الكذبة حملت نفسها فانتشرت؟! الجواب؛ انه تكلم في مجلس، وفى هذا المجلس من يريد الشرق ومن يريد الغرب، فكل حمل ما سمع وبلغه، والاثم على المتسرع.
فأعيد وأحذر من عدم التثبت في دين الله، فقد حذر الله نبيه صلى الله عليه وسلم من التسرع والعجلة، فقال تعالى: (وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) .
وأقول؛ يا أهل العلم اتقوا الله، ولست اعنى بأهل العلم المقلدين، بل اعنى بهم أهل الحديث، كما اجمع على ذلك أهل العلم الذين يعتد بهم.
فالان أريد ان ابين ما وعدت أن أبينه في أحر الرسالة، فوالله ما أردت بذلك إلا التحذير والنصيحة وأدعوا الله ان يخزينى إن كان قصدى التشهير والفضيحة، فقد قلت ان وقتا قليلا يقضى مع أهل الحديث في طلب علم خير من وقت طويل يقضى مع أهل المذاهب.
وإليك قصة رجل قضى اربعة عشر سنة في دراسة مذهب الشافعى، حتى انه يقول: (ما من أية في كتاب الله إلا وقد كتبتها بيدى مرتين) ، وهو يدرس على مذهب الشافعى،