الصفحة 117 من 299

كان صدام حسين أمام احتمالين: إما أن تتراجع الولايات المتحدة أو لا تتراجع، فإذا وقع الاحتمال الأول سيتحقق نصره في الحال، ولو حدث الاحتمال الثاني فمعنى ذلك أنه سيکسب في المدى الطويل. حتى هذه اللحظة لم يثبت التاريخ أنه أخطأ حساباته. حشدت الولايات المتحدة بالطبع القوة العسكرية اللازمة لإخراج العراقيين من الكويت ثم فرضت قيودا دولية صارمة على العراق. ولكن الثمن كان باهظا بالنسبة للولايات المتحدة، فقد كشفت حرب الخليج أن الولايات المتحدة لا تقدر ماليا على القيام بمثل هذه العمليات، وتحملت السعودية والكويت واليابان وألمانيا الفاتورة العسكرية الأمريكية كاملة، كما أظهرت الحرب أن الولايات المتحدة لا تستطيع الإطاحة بصدام حسين داخليا لأنها لم تكن مستعدة لإرسال قوات إلى العراق، القيدان المالي والعسكري المفروضان على الولايات المتحدة أملاهما الرأي العام الأمريكي الذي كان مستعدا لأن يرحب بالنصر القومي شريطة ألا يكلف خسائر مادية أو خسائر في الأرواح. هذا هو جوهر تفسير كيف استطاع صدام حسين أن يستمر منذ ذلك الحين ولماذا لم تفلح الجهود الساعية للحد من حيازة العراق الأسلحة الدمار الشامل.

في تسعينيات القرن العشرين اتخذت أوروبا الغربية خطوة أساسية في اتجاه توحدها بإطلاقها عملة اليورو، محققة بذلك الدعامة المالية اللازمة للتخلص من روابطها السياسية الوثيقة مع الولايات المتحدة، الأمر الذي سيؤدي دون شك إلى تشكيل جيش أوروبي حقيقي في العقد القادم ومن ثم انفصال عسکري عن الولايات المتحدة، وقد أظهر تفسخ منطقة البلقان بوضوح حدود فاعلية حلف شمال الأطلنطى (الناتو) كقوة سياسية، كما أنه زاد من توتر العلاقات الأمريكية -الأوروبية.

في هذا الخضم وقع ما يسمى الأزمة الآسيوية؛ فالانهيار المالي لدول جنوب شرق آسيا والنمور الأربعة تبعه تدخل كارثي من قبل صندوق النقد الدولي، فاقم من عواقب كل من الأزمة الاقتصادية والسياسية، وأهم ما يجب أن نشير إليه بخصوص هذا الانهيار هو أن الإنكاش أصاب في النهاية شرق آسيا والمناطق المجاورة ثم روسيا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت