فهرس الكتاب
عالا أكثر عقلانية يتطلب فرض المضامين العملية للحقائق الخالدة التي أدركوها. إذن بدأ تنوير الانسانية العلمية في الطريق المبهم نفسه الذي كانت عليه الأديان العالمية. فهو من ناحية يريدنا أن نعتبر كل البشر عقلانيين ومن ناحية أخرى بريدنا أن نحترم التفوق والأسبقية السياسية لمن هم أكثر عقلانية منا. يناشدنا أن نحترم بعضنا البعض وأن نحترم الجميع وأن نحترم على وجه الخصوص من يشاركنا مهارة الانتقائية والمكانة المميزة المستحقة؛ ومرة أخرى ما زالت الرسالة مبهمة
أما الذين أسسوا عالمياتهم على قاعدة أن القوة تصنع حقا فقد كانوا على الأقل أكثر صراحة، فجوهر ما كانوا يقولونه لنا هو أن الواقع حتمي وأن استقطاب المراتب لابد أن يكون نتيجة لتفاوت المهارات والخبرات والفضائل الأخلاقية، هذا ما تم تنظيره في القرن التاسع عشر على أن له أصولا بيولوجية إلى حد ما. لم يعد للتفاسير القائمة على أسس بيولوجية قبول بعدما استخدم النازيون هذه النظريات لاستخلاص نتائجهم المنطقية ولكن لا داعي للخوف، فقد كان من السهل أن نستبدل بالتفسيرات البيولوجية تفسيرات ثقافية، فقيل عن أصحاب النفوذ والامتيازات إنهم حصلوا عليها لأنهم ورثة ثقافة وفرت لهم المهارة والحكمة والفضيلة، ثم لاحظوا في هذا السياق أيضا تصدر مفهوم الثقافة
إلا أن ما لم تقدمه العالميات الثلاث - الدينية والإنسانية العلمية والإمبريالية - هو نظرية عن تعدد العالميات أو حتى نظرية عن ترتيبها. وبدا الأمر سباقا تنافسيا للقمة الكل منها، وهذا قد يفسر لماذا كان القرن العشرون، وهو أكثر القرون ميلا للعالمية في تاريخ الإنسانية، هو الأكثر قسوة على البشر وتدميرا لهم.
عندما تستخدم العالميات للتدمير أو للقمع يلجأ الناس للخصوصية. إنها وسيلة دفاع واضحة، وكثيرا ما تكون ضرورية كما أنها فعالة وإن بدرجة محدودة. تتنافي الخصوصية - من حيث تعريفها - مع العالمية. مضمونها الفعلي هو انحن مختلفون والاختلاف فضيلة؛ قواعدكم لا تنطبق علينا أو لها تأثير سين علينا أو مصممة خصيصا