فهرس الكتاب
قال كاميرون في أطروحة العام 1960، إن ثمة «عاملين مهمين، بنيحان لنا الحفاظ على إدراكنا الوقت والزمان» ؛ أي، بعبارات أخرى، أن نعرف أين نحن ومن نكون. تانك الفؤنان هما «أولا، البيانات الحية التي ترد إلينا باستمرار؛ ثانية، ذاكرتنا. وقد ألغي كاميرون باستخدامه الصدمات الذاكرة وباستخدامه حجرات العزل، ألغى دخول البيانات الحية. كان مصرة على فرض إلغاء كلي لإحساس مرضاه بالمكان والزمان، إلى درجة أنه بعد اكتشافه أن بعض المرضى كانوا يحددون في أي نهار هم بموجب موعد وجباتهم، أمر المطبخ بخلط الأمور، من خلال تغيير أوقات الوجبات، وتقديم الحساء على الفطور، والعصيدة على الغداء. وأفاد كاميرون وقد أبدى علامة الرضا: (من خلال تغيير تلك الأوقات الفاصلة، وتعديل توقيت تقديم وجبة الطعام، استطعنا أن نكسر تلك الهيكلية» ، وبرغم ذلك، أكتشف أنه برغم الجهود الحثيثة التي بذلها، تمكن أحد المرضى من الإبقاء على تواصله مع العالم الخارجي من خلال سماعه الهدير الخافت، لطائرة كانت تحلق فوق المستشفي الساعة التاسعة من كل صباح(37) .
في الحقيقة، حتى الأشخاص الذين يألفون شهادات الناجين من التعذيب، يجدون هذا التفصيل مثيرة للقشعريرة. فعندما كان يسأل الأسرى عن كيفية تمكنهم من النجاة بعد شهور أو سنين من العزل والتعنيف، كانوا غالبا ما يذكرون سماعهم فرع جرس كنيسة أو صوت أذان بعيد، أو أصوات أطفال يلعبون في منزو مجاور. عندما تنحسر الحياة بين جدران الزنزانة الأربعة، يصبح وقع تلك الأصوات الخارجية أشبه بحبل الحياة الذي يؤكد للسجين أنه ما زال إنسانا، وأن ثمة عالم خارج إطار التعذيب العالي فيه. وقد ذكر أحد الناجين من طغيان الحكم الاستبدادي الأخير في الأوروغواي، وهو يستعيد ذكريات جلسات التعذيب الشديد التي خضع لها: لقد سمع زقزقة العصافير الصباحية أربع مرات. وهكذا، أدركت أنه مضى أربعة أيام (37) . أما تلك المرأة التي لم تحدد هوينها في قبو معهد «آلن» التذكاري، والتي كانت تجاهد لتسمع صوت محرك الطائرة في بحر من العتمة والعقاقير والصدمات الكهربائية، فلم تكن