ينطلق الكتاب الذي بين أيدينا من تحليل الفترة الانتقالية التي نعيشها اليوم منذ نهاية الحرب الباردة، والتي رسمها البعض بعصر نهاية التاريخ"، ذلك العصر الذي تم الترويج له بأنه حقبة من النصر الشامل للقوى الديموقراطية والرأسمالية و السلمية والعلاقات المتناغمة بين الدول المشهد الأبرز في هذا العصر هو ظهورت الولايات المتحدة دولة مهيمنة على السياسات الدولية."
الهيمنة الأمريكية فيما يعرف بعصر القطب الأوحد لم تمنع من بقاء أوجاع العالم دون دواء، فالمقابر الجماعية لا تزال تطل برأس قبيح في إفريقيا وأوروبا، والنزاعات الإقليمية حجر عثرة أمام الجهود المتعاونة في آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، وما زال الإرهاب الدولي يضرب معظم أقاليم العالم، وزادت حدة التباين في الثروة وتوزيع الدخول سواء داخل القطر الواحد أو بين الدول وبعضها البعض، أما مبادي نشر الديموقراطية وحقوق الإنسان، والطاقة النووية، والحد من انتشار الأسلحة النووية، فقد صارت جميعها محل صراع في عديد من الأقاليم.
جنبات المشهد السابق تضاء بصور جانبية تبدو فيها العولمة ماضية بخطي متسارعة، وإن كانت بمعدلات متفاوتة من إقليم الآخر، والتغير المناخي ينذر بكوارث مستقبلية، والموارد الطبيعية، خاصة المياه والنفط، تبدو ننتظر مصير الندرة المشئوم، فضلا عن ارتفاع تكاليف إنتاج الطاقة والغذاء. وظهر أن علاقات دول الشمال والجنوب التي تطورت في ظل اتفاقية الجات ومنظمة التجارة العالمية وصلت إلى مرحلة التجمد والكساد.
وبعد عقدين من سقوط جدار برلين، تبددت أوهام صانعي السياسات العالمية من أن سقوط الاتحاد السوفيتي ونهاية الحرب الباردة سيطرح شفاء لكل أمراض