أن يعبدوهم من دون الله تعالى ما أطاعوهم، ولكن أمروهم: فجعلوا حلال الله تعالى حرام، وحرامه حلاله، فأطاعوهم.
ولهذا كثر التحذير من زلة العالم، لأن العالم مظنة الإتباع، فإذا زل؛ زلت أمم معه، قال عمر رضي الله عنه: (ثلاث يهدمن الدين: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون) ، وروي نحوه عن أبي الدرداء وسلمان رضي الله عنهما، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: (ويل للأتباع من عثرات العالم، قيل وكيف ذلك؟ قال: يقول العالم برأيه ثم يجد من هو أعلم منه برسول الله صلى الله عليه وسلم فيترك قوله ذلك ثم تمضي الأتباع) ، وقال الإمام مالك: ليس كل ما قال رجل قولا - وإن كان له فضل - يتبع عليه، يقول الله عز وجل: (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم لله وأولئك هم أولو الألباب) .
ومن هذا: قصة حاطب بن أبي بلتعة - رضي الله عنه - يوم كاتب الكفار في فتح مكة، وحصل معه ما هو معروف، فإن في قصته فوائد من هذا الباب، منها:
أولًا: أن حاطبًا- رضي الله عنه -كانت له سابقة وفضل ودين وجهاد وهجرة، فهو من السابقين الأولين، ومن أهل بدر والحديبية، وشهد المغازي، ومع هذا كله: فإن النبي -صلى الله عليه وسلم -لما علم بزلته لم يتركها، ولم يقم بنصيحته سرًا، بل أتى به أمام الصحابة وقرره بما فعل، وعرّفه هذا الخطأ، فتناقلت الكتب اسمه -رضي الله عنه- إلى هذا اليوم، ونزل فيه قرآن يتلى إلى يوم القيامة (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ... الآيات) .
ثانيًا: أن حاطبًا -رضي الله عنه- تاب من هذه الزلة، وهكذا أهل الفضل.
ثالثًا: أن عمر -رضي الله عنه- قال للرسول -صلى الله عليه وسلم-: (دعني أضرب عنقه فإنه قد نافق) ، ومع هذا فإن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يعنف عمر على قوله، لأنه قال هذا غيرة للدين، ولمنكر عظيم رآه.