الصفحة 11 من 36

فإن كثيرًا من الناس لا يعرف من الجهاد إلا أنه هو القتال، ولا يعرف من الجهاد إلا فقط الأحكام الشرعية والمسائل الفقهية؛ الغنائم، السلب، الفيء، وغير ذلك، وما يتعلق بالشهيد؛ هل يُغسَّل، هل يُصلى عليه، إلى غير ذلك مما تكلم عنه الفقهاء في أحكام الجهاد.

وما علم أن الجهاد أو أن مدرسة الجهاد هي من أعظم المدارس التربوية؛ فمعادن الرجال إنما تظهر في ميادين القتال؛ ولهذا كما قال الإمام الشهيد عبد الله عزام رحمه الله تعالى:"إن الجهاد بالنفس أفضل من الجهاد بالمال، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لم يُعْفِ أغنياءَ الصحابة كعبد الرحمن بن عوف وغيره وغيره، لم يعفهم من الجهاد في سبيل الله". لماذا؟ قال رحمه الله:"لأن الجهاد فيه تربية للنفوس".

ولهذا الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى يبيّن أنه لم يرد في فضل وثواب الأعمال مثل ما ورد في الجهاد في سبيل الله.

وقال الإمام ابن تيمية رحمه الله:"إن نفع الجهاد عام في الدنيا والدين"، وللشخص وكذلك لغيره، فكثير من الناس يظن أن الجهاد فقط خاص لهذا الشخص، أي أنت تنتفع وتستشهد، لا؛ بل الجهاد نفعه متعدٍّ، وليس نفعه قاصرًا على الإنسان نفسه.

وسوف نقف مع كلمات الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ونلقي عليها شيئًا يسيرًا من التعليق؛ حيث ذكر الإمام ابن تيمية رحمه الله:"أن الجهاد يشتمل على العبادات الظاهرة والباطنة"؛ وذكر منها: محبة الله، والإخلاص، والزهد، والصبر، وتسليم النفس والمال لله سبحانه وتعالى، والتوكل على الله، وذكر الله، وغيرها من أنواع العبادات التي تتضمن الجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى.

فالجهاد في سبيل الله يتضمن عبادات أو يشتمل على عبادات ما لا يشتمل عليها غيره؛ كما ذكر ذلك الإمامُ ابن تيمية رحمه الله تعالى.

وهنا بشرى سارة من الإمام ابن القيم رحمه الله، وهو يبشرنا أن أعلى مراتب الأولياء هم الشهداء -نسأل الله سبحانه وتعالى برحمته وكرمه وفضله أن يمنّ علينا بالشهادة في سبيله- أعلى مراتب الأولياء الشهداء، وهم من خواصّه والمقربون من عباده.

وذكر -رحمه الله تعالى- ابن القيم؛"أن أكمل الخلق عند الله من كمّل مراتب الجهاد كلها"، مراتب الجهاد؛ الجهاد بالقلب، واللسان، والبدن، والمال، جهاد النفس، جهاد الشيطان، جهاد الكفار، جهاد الفسقة والظَّلَمة، جهاد المنافقين، إلى غير ذلك مما ذكره رحمه الله.

فإذا أردت يا عبد الله أن تكون من أكمل الناس عند الله فعليك أن تكمّل مراتب الجهاد كلها.

ونقف الآن مع بعض الجوانب التربوية للجهاد في سبيل الله، وكيف أن الجهاد في سبيل الله أو أن مدرسة الجهاد هي من أعظم المدارس التربوية، لأن بعض الدعاة يقول: إن الإنسان لا يذهب إلى الجهاد إلا بعد أن يربي نفسه؛ رَبِّ نفسَك، وهذب نفسك، أو التربية والتصفية قبل أن تذهب للجهاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت