فهرس الكتاب
* القول الثاني: أن الأفضل مخالطة الناس والصبر على أذاهم وتوجيههم وتوعيتهم، ولأن العزلة تقتضي مضاعفة المنكرات وظهور الفساد ولا يبقَ مصلحٌ في الأرض، ولأن العزلة قد تكون نوعًا من الانهزامية، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف» ، وجاء عند الترمذي وابن ماجة من حديث ابن عمر: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خيرٌ من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» . غير أن هذا الحديث فيه غرابة وفيه اختلاف كبير.
* القول الثالث: التفصيل؛ فمن كان من أهل العلم وأهل الدعوة وعنده القدرة على الصبر وتحمل الأذى فالأفضل في مثله، وقد يتعين أن يواجه الانحرافات بعلمه وتقواه، وأن يقوم في الناس بما أوجب الله - عز وجل - عليه مع محافظته على دينه وعدم خوضه في فتنهم وضلالهم وانحرافاتهم، ولاسيما إذا كانوا يتنازعون على الدنيا أو على الملك ونحو ذلك، فهو يعطيهم خير ما عنده ويجتنب دنياهم وفتنهم.
ومن كان من العامة ومن ليس من أهل العلم فقد قيل: الاعتزال في حقه أفضل ليسلم له دينه ولأنه لا موقع له فيما مجال الإصلاح ولأنه ليس قدوة للناس، فكونه يسعى في سلامة دينه أولى من بقائه لأنه قد يُفتن فلا يصبر.
والخلاف جارٍ في وقت الفتن، وأما في غير وقت الفتن فالعلماء يكرهون التبدي لما في ذلك من إضاعة الجمعة والجماعات واستحواذ الشيطان عليه،