وقد كانوا منافقين وهذا معنى قوله تعالى: {وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} بمعنى الاستسلام، وإلى هذا المذهب ذهب جماعة من أهل العلم:
منهم: سعيد بن جبير، ومجاهد، وهو اختيار البخاري كما هنا، ومحمد بن نصر المروزي، وجماعة من أئمة السلف، وهذا القول ضعيف، وخلاف ما قرره جماعة من الصحابة والتابعين، وهو خلاف معنى الآية فإنه لو كان المعنى {ولكن أسلمنا} بمعنى الاستسلام لما قال الله جل وعلا: {وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ} [الحجرات:14] .
فعُلم أن الإسلام هو الإسلام الحقيقي، فالمعنى الصحيح للآية أن الأعراب ادعوا الإيمان المطلق وهم قد أسلموا حديثًا ولم يقوموا بكل واجبات الإيمان، فقال الله - عز وجل: {قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا} فالإيمان المنفي عن هؤلاء الأعراب هو الإيمان المنفي عن فساق أهل القبلة الذين لا يخلدون في النار، ونفي الإيمان والمقصود منه نفي البعض كثير في الكتاب والسنة ولاسيما على معتقد أهل السنة والجماعة أنه إذا انتفى بعض الإيمان لا ينتفي كله خلافا للخوارج الذين يكفرون أصحاب الكبائر ويستدلون بقول النبي - صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ» . يقولون: هو مرتد عن الدين، وهو مخلد في النار؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نفى عنه الإيمان، وهم لن يفهموا هذا المنفي أصلًا ولا يفرقوا بين الإسلام والإيمان، ويجعلون الاثنين اسما لمعنى واحد {ولا تقولوا أسلمنا} أي: الإسلام، أثبت الله لهم الإسلام، إذ أطلق الإسلام فهو المقبول المخرج عن