رَاعِيًا».
وَفِي الْحَدِيث فَضْل الْعَمَل بِالْيَدِ, وَتَقْدِيم مَا يُبَاشِرهُ الشَّخْص بِنَفْسِهِ عَلَى مَا يُبَاشِرهُ بِغَيْرِهِ, وَالْحِكْمَةُ فِي تَخْصِيصِ دَاوُدَ بِالذِّكْرِ أَنَّ اقْتِصَاره فِي أَكْلِهِ عَلَى مَا يَعْمَلُهُ بِيَدِهِ لَمْ يَكُنْ مِن الْحَاجَةِ لِأَنَّهُ كَانَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى, وَإِنَّمَا ابْتَغَى الْأَكْلَ مِنْ طَرِيقِ الْأَفْضَلِ, وَلِهَذَا أَوْرَدَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِصَّتَهُ فِي مَقَامِ الاحْتِجَاجِ بِهَا عَلَى مَا قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّ خَيْرَ الْكَسْبِ عَمَلُ الْيَدِ, وَهَذَا بَعْدَ تَقْرِيرِ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا, وَلَا سِيَّمَا إِذَا وَرَدَ فِي شَرْعِنَا مَدْحُهُ وَتَحْسِينُهُ مَعَ عُمُوم قَوْله تَعَالَى: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} .
وَفِي الْحَدِيث أَنَّ التَّكَسُّب لَا يَقْدَح فِي التَّوَكُّل, وَأَنَّ ذِكْرَ الشَّيْء بِدَلِيلِهِ أَوْقَعُ فِي نَفْسِ سَامِعِهِ [1] .
وكان النبي زكريا عليه السلام نجارا, فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كَانَ زَكَرِيَّاءُ نَجَّارًا» [2] .
يقول النووي: فِيهِ جَوَاز الصَّنَائِع, وَأَنَّ النِّجَارَة لَا تُسْقِط المُرُوءَة, وَأَنَّهَا صَنْعَة فَاضِلَة. وَفِيهِ فَضِيلَة لِزَكَرِيَّاء صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَإِنَّهُ كَانَ صَانِعًا يَأْكُل مِنْ كَسْبه [3] .
-وأن التكسب بعمل اليد خير من المسألة
فعن أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَالَّذِي
(1) فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، 4/ 306.
(2) صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب: في فضائل زكريا عليه السلام، برقم: (2379) .
(3) شرح صحيح مسلم للنووي (المجلد الخامس) ، 15/ 135.