فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 212

فصل في بيان ما اشتمل عليه المثلان المتقدمان

وقد اشتمل هذان المثلان على حكم عظيمة

منها أن المستضيء بالنار مستضيء بنور من جهة غيره لا من قبل نفسه فإذا ذهبت تلك النار بقي في ظلمة وهكذا المنافق لما أقر بلسانه من غير اعتقاد ومحبة بقلبه وتصديق جازم كان ما معه من النور كالمستعار

ومنها أن ضياء النار يحتاج في دوامه إلى مادة تحمله وتلك المادة للضياء بمنزلة غذاء الحيوان فكذلك نور الإيمان يحتاج إلى مادة من العلم النافع والعمل الصالح يقوم بها ويدوم بدوامها فإذا ذهبت مادة الإيمان طفيء كما تطفأ النار بفراغ مادتها

ومنها أن الظلمة نوعان ظلمة مستمرة لم يتقدمها نور وظلمة حادثة بعد النور وهي أشد الظلمتين وأشقهما على من كانت حظه فظلمة المنافق ظلمة بعد إضاءة فمثلت حاله بحال المستوقد للنار الذي حصل في الظلمة بعد الضوء وأما الكافر فهو في الظلمات لم يخرج منها قط

ومنها أن في هذا المثل إيذانا وتنبيها على حالهم في الآخرة وأنهم يعطون نارا ظاهرا كما كان نورهم في الدنيا ظاهرا ثم يطفأ ذلك النور أحوج ما يكونون إليه إذ لم تكن له مادة باقية تحمله ويبقون في الظلمة على الجسر لا يستطيعون العبور فإنه لا يمكن أحدا عبوره إلا بنور ثابت يصحبه حتى يقطع الجسر فإن لم يكن لذلك النور مادة من العلم النافع والعمل الصالح وإلا ذهب الله تعالى به أحوج ما كان اليه صاحبه فطابق مثلهم في الدنيا بحالتهم التي هم عليها في هذه الدار وبحالتهم يوم القيامة عندما يقسم ومن ههنا يعلم السر في قوله تعالى ذهب الله بنورهم ولم يقل أذهب الله نورهم فإن أردت زيادة بيان وإيضاح فتأمل ما رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت