الصفحة 43 من 51

والحاصل بعد عَرْض هذه القضايا الثلاث هو أنَّه لم يُنقل عن الشافعي، رحمه الله تعالى، فيما بلغنا، قولٌ صريحٌ في إباحة نكاح الرَّجل ابنتَه من الزِّنى، بل، على العكس، نَقَلَ عنه الْمُزنيُّ قولا بالتحريم، وأنكر كثيرٌ من الشافعية ما اشتهر أنَّ الشافعي نصَّ على جواز أن ينكح الزَّاني ابنتَه من الزِّنى.

وما نُسِب إليه من قولٍ بالإباحة، مع الكراهة، إنما هو في مسألةٍ مشابهة وهي إباحة نكاح ابنِ الزانية، رَضاعا أو نَسَبا، بناتِ مَن زَنى بأمِّه.

واحتجَّ، رحمه الله، للقول بالكراهة مع تصحيح العقد، بأمر النبيّ، صلَّى الله عليه وسلَّم، سودةَ، رضي الله عنها، بالاحتِجاب من أخيها في الفراش عندما ظهر شبَهُه بالزَّاني، احتياطًا وورعًا، وذلك لوجود الشُّبْهة في كونه ابنَ أبيها حقيقةً، كما هو ابنُه فِراشًا ونَسَبا.

فإذا سلَّمنا بأن للشافعي، رحمه الله تعالى، قولا صريحا بإباحة نكاح الرَّجل ابنتَه من الزِّنى مع الكراهة، ربَّما لم يصلنا وقد اطَّلع عليه بعض أصحابه، فينبغي، انسجامًا مع ظاهر كلامه بإباحة نكاح ابن الزِّنى بناتِ الزَّاني مع الكراهة، تعليلُ هذه الكراهة بوجود الشُّبْهةِ في احتمال كون البنتِ مخلوقةً من ماء الزَّاني مع نفي الشارع للنَّسَبِ عنه، وهو الوجه الذي قال به كثيرٌ من الشافعية، وإن كان المعتمدُ في المذهب خلافَه.

وينبني على هذا الوجه أنَّ الكراهة تشتدُّ كُلَّما قويت الشُّبْهة في كون البنت مخلوقةً من ماء الزَّاني، إلى أن تبلغ التحريم إذا أمكن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت