فأين مرحلة الطهر والصوفية، وأين هؤلاء البعثيون المشهود لهم بالنزاهة والاستقامة والتفاني في خدمة الوطن والمواطنين؟ ... أين هؤلاء لاسيما وأن استقالة السيد جاءت في [21/ 8/1955] أي بعد مرور ثمان سنين على المؤتمر الأول [1947] الذي أعلنوا فيه عن تأسيس الحزب، والاستقالة ليست بنت يومها، فلابد أنه كان قد أمضى سنتين أو ثلاثة وهو يحاول الإصلاح، ومن جهة أخرى فالانحراف أيضًا ليس ابن يومه.
وإذا كانت مشكلته مع الحزبيين في دير الزور هي السبب المباشر للاستقالة، فحديثه عما أسماه انحراف الحزب جاء عامًا، وهو أيضًا ما يقوله عدد كبير من قدامى الحزبيين.
يقول عن ميشيل عفلق: (وبعد ما سلمت كتاب الانسحاب إلى السيد عفلق غادرت إلى لبنان حيث كنا نقيم في قرية قرب شتورا لأسباب صحية. وما كدت أستقرّ هناك حتى فوجئت بالسيد عفلق يلحق بي. وظن الناس أنه إنما لحق بي ليقنعني بسحب كتاب استقالتي. ولم يكن أحد يدري أنه لحق بي ليقول لي أن أصرّ على الانسحاب. وقد قال لي:"إننا جميعًا سنفعل مثلما فعلت ونترك الحزب بعد تجميع العناصر الصالحة ونخرج بها جميعًا، وسوف نترك الحزب لهؤلاء الذي انحرفوا عن أهدافه") .
ويقول: (جاءت وفود عديدة من الحزبيين من كل الفروع تقريبًا تطلب الإيضاح عن الأسباب الدافعة إلى هذا الانسحاب. وكان الكثير منها يعرب عن تصميمه على القيام بعمل مشابه، وكان من فرع لبنان عدد كبير. دعك عن المنطقة الشرقية في سورية ومن فروع الأردن ... ) .
كان السيد يحاول إقناع الرفاق الذين يأتونه من كل حدب وصوب بأن موقفه من مبادئ الحزب وأهدافه ثابت لم يتغير، والخلاف بينه وبين الرفاق حول الاجتهادات ..."لكن هذه الموعظة لم تستقر على شيء عملي، فإن كثيرًا من الأعضاء قد انفصلوا نفسيًا عن الحزب، ولو لم يقدموا كتابًا بالانسحاب منه وجمدوا أعمالهم ونشاطاتهم في الحزب".
ثم يسهب في حديثه عن الاستياء العام من الفساد الذي بات ينخر كيان الحزب.
إن الحزب فاسد من أساسه، وإذا كان السيد يريد حفظ ماء الوجه فليقل: اكتشفت في وقت مبكر انحراف الحزبيين، وحاولت الإصلاح من الداخل لكنني عجزت، وعندما وجدت أن الخرق اتسع على الراقع تقدمت باستقالتي ...
للبحث صلة ...
مجلة السنة / العدد 26
ربيع الثاني / 1424 هـ