[الكاتب: محمد سرور]
صفحات من تاريخنا المعاصر
ذات رسالة خالدة ... مقدمة:
قبل ستين عامًا رفع حزب البعث العربي الاشتراكي شعار؛ الوحدة والحرية والاشتراكية، وقبل أكثر من ثلث قرن حكم البعثيون دولتين عربيتين مهمتين - سورية والعراق - فهل حققوا شعار الوحدة الذي كانوا يرددونه في بداية ونهاية كل اجتماع حزبي:
أمة عربية واحدة
وهل كانوا أمناء للوحدة بين سورية ومصر؟! وإذا عجزوا عن هذا وذاك فهل حققوا الوحدة بين دولتي حزب البعث - سورية والعراق - وهما دولتان متجاورتان وكل منهما يكمل الأخرى؟!
وهل ينعم المواطنون في دولتي البعث بالحرية مع أنهم كانوا من أشد الأحزاب والهيئات نقدًا للأنظمة الديمقراطية التي نشأ حزبهم وترعرع في ظلها؟!
وهل حلَّ الحزب مشكلة الفقر، أم أن اشتراكيتهم زادت الفقير فقرًا، وأصبح المتنفذون الحزبيون وأبناؤهم فرسان الرأسمالية الجشعة الجديدة؟!
ومن جهة أخرى، فهناك نفر من أعداء حزب البعث - ونحن منهم - يرددون المقولة التالية:
إنه حزب الطوائف والأقليات الحاقدة والشديدة العداوة للإسلام والمسلمين، وقد تستروا بهذه الشعارات كذبًا وتضليلًا لتنفيذ أهدافهم الخبيثة.
هل نستطيع إثبات هذه المقولة؟!
وإذن فليتابع القارئ الكريم معنا هذه الحلقات التي كتبها كبار شخصيات حزب البعث والذين هم من أعلم الناس بأسرار حزبهم.
كنا في الحلقة الماضية مع جلال السيد في حديثه عن الظروف التي نشأ فيها الحزب، ونمضي معه في هذه الحلقة في حديثه عن سنوات البعث الأولى.
سنوات البعث الأولى:
وسار الزمن سيرته، وتكاثر الحزبيون من كل الفئات، ومارس بعض النشاط بين سمع الحكومة وبصرها، ولم تتخذ الحكومة تدابير زجرية بحق أعضائه إلا في حالات نادرة، كنفي الأستاذ البيطار وسجن الأستاذ عفلق ردحًا قصيرًا من الزمن. وكان موقف الحكومة هذا مشجعًا لمن كان خائفًا فازداد العدد وأصبح في الإمكان الإعلان رسميًا عن قيام الحزب الجديد، وقد اتخذت الاستعدادات لعقد المؤتمر الأول التأسيسي، فعقد في دمشق في السابع من نيسان من عام 1947 وقد كانت سنة انتخابات نيابية.
المؤتمر التأسيسي:
اجتمع ما يربو على مئة عضو من أعضاء الحزب على شكل مؤتمر وذلك في نيسان من عام 1947 لمناقشة دستور الحزب، وكانت اللجنة التنفيذية قد عهدت إلى بعض الشبان المثقفين من طلاب الجامعة وتحت إشراف اللجنة التنفيذية بوضع دستور للحزب.
وقد ناقش المؤتمر مشروع الدستور فأقر ما أقر وأدخل بعض التعديل على بعض المواد، وكانت المواد التي حظيت بالمناقشة الطويلة مواد الاشتراكية، فقد كان عدد من الأعضاء يصر على إبراز الكلمة في الدستور، والنظام الجمهوري، وكان عدد آخر يصر على النص على ذلك، وموضوع الوصف للعربي وللأقليات ومواد أخرى، لكن هذه المقترحات لم تحز على موافقة الأكثرية فظلت كما وردت في المشروع.
وكان انتخاب رئيس المؤتمر يخضع لعاملين إرادي وعفوي أو ظاهر ومستتر، فمن ناحية كان هناك نوع من التكريم والاعتراف بمقدرة الرئيس"البرلمانية". ومن الناحية الأخرى كان يراد أن يكون ذلك الشخص بعينه في مواجهة السلطة على افتراض أن السلطة يومئذ كانت تتورع عن إتيان عمل زجري يزعجه لما قدمنا من قبل من أسباب.
وظل المؤتمر منعقدًا ثلاثة أيام أتم خلالها مناقشة الدستور وإقراره وسط أمواج من الابتهاج والشعور بالوجود ثم الثقة بالنفس وبالأمل في مستقبل عربي زاهر مع موافقة المؤتمر على اللجنة التنفيذية كما كانت من قبل، فما هي نتائج هذا المؤتمر؟
1)كان حزب البعث العربي قبل هذا المؤتمر"حركة"، وكانت اللجنة التنفيذية تفضل هذا الاسم على اسم"حزب"، فقد كان البعث حقًا قبل المؤتمر لا يعني بالسياسة إلا بعد أمور كثيرة يفضلها، فقد كان البعث حركة فكرية قومية أخلاقية ثم إنسانية، وبعد ذلك كان عملًا سياسيًا، وكلمة حركة تنطبق على هذه الأهداف أكثر من كلمة"حزب"، لكن المؤتمر قد أبرز العمل السياسي فجعله الغالب على المقاصد الأخرى فتلاشت كلمة"حركة"واستبدلت بكلمة حزب.
ورافق قيام المؤتمر شيء من الضجيج والدعاية لم يقم بهما الحزب وحده وإنما قام بهما كل الحاقدين على الحكام يومئذ. وأصبح خصوم الحكومات يهددونها بهذا الحزب الناشىء ذي المستقبل المجيد، وبلغ الزهو والاعتزاز بالأعضاء أن أقدم بعض منهم على ترشيح نفسه لخوض معركة الانتخابات في تموز من ذلك العام أي بعد ثلاثة أشهر من إعلان ولادة الحزب.
ولم يكن التأييد الذي حظي به الحزب ضعيفًا بل إن فيه بذور القوة، لكن السلطات يومئذ قد زيفت الانتخابات وزورت إرادة الناخب، مما سهل على البعث والفئات المخاصمة الأخرى أن تجهز على تلك الفئات الحاكمة حينما أمسكت بها في الجرم المشهود، وليس أشد حرجًا عند الناس من تزوير الانتخابات علانية والاستهتار بإرادة الشعب وإهماله وعدم الاعتداد برغباته ونوازعه.
2)لقد حلت نشوة في نفوس أعضاء الحزب بعد المؤتمر، وازدادت ثقتهم بأنفسهم، وشعروا بكيانهم السياسي يتزايد، فدلفوا إلى ميدان المعارضة وإلى تحدي السلطة، فسجلوا انتصارات كثيرة شعبية، وقادوا المظاهرات ونظموا حركات الإضراب في كل مناسبة من المناسبات القومية. وكلما سجلوا نصرًا زاد الالتفاف من حولهم فزادهم إقدامًا وإمعانًا حتى أصبحوا مضرب المثل من بين المواطنين في الجرأة والعزم.
3)ونتيجة لسكوت السلطات عن حزب البعث فإن هناك منظمات قد استغلت الموقف فنشطت ونزلت إلى الميدان، ومن أهم تلك المنظمات الشيوعيون.
لكن حزب البعث هو الذي تصدى للشيوعيين وقاومهم. ويمكن القول أن جزءًا مهمًا من شعبية هذا الحزب قد بناها على مقاومته المستمرة للشيوعيين في أول تأسيسه. وإن كثيرًا من الفئات المحافظة قد مالت نحو حزب البعث نتيجة لمقارعته للشيوعيين ومخاصمتهم في مختلف المجالات.
4)وبعد المؤتمر أخذ طلاب الجامعة من الحزبيين ينهون دراساتهم، فتخرج عدد منهم واقتحم الحياة العملية فكان منهم الطبيب والمحامي والمدرس وغير ذلك. وقد رافق هذه الحال من إكمال الدراسة والنفوذ السياسي شيء من الطموح ونزوع إلى الحكم لدى بعض الشبان، وهو أمر طبيعي بالنسبة إلى من كان في مقتبل العمر ويعتز بعلمه ومقدرته وكفاءته.
إلا أن هذا الطموح المبكر قد كان شبيهًا بالإسفين يدق في نعش الحزب، إذ أنه لابد ما يبعده عن المثل والنزاهة والتجرد ولو بعض البعد.
5)لفت الحزب بعد وجوده الرسمي، أي بعد المؤتمر، نظر بعض الساسة التقليديين وهم من الطامحين الذين لم تحقق لهم أحزابهم مطامحهم على الوجه الذي يرغبون، فمالوا نحو حزب البعث يتعاطفون معه أو يظهرون التعاطف على الأقل معه، فنشأت صداقات بين كبار الحزبيين وبين بعض هؤلاء الساسة.
وكأنما كان الدافع العفوي وحتى الإرادي لهؤلاء الساسة هو القيام بتهديد مبطن لأحزابهم ليعطوهم ما يطمعون فيه من مكاسب ومناصب، أو كأن ذلك كان إنذارًا لأحزابهم ليعودوا إلى دراسة الأوضاع وإعطاء كل ذي حق حقه.
لكن هذا كله قد كان يتضمن الاعتراف الكامل بوجود حزب البعث وأهميته ونفوذه، وبعدما كان الساسة التقليديون يعتبرون حزب البعث فئة من الطلاب مهمتهم التصفيق والهتاف لهم إذا مروا من حولهم، أصبحوا هم يركنون إلى هذا الحزب يدعمون به قوتهم ووجودهم، ويفرضون بسبب علاقتهم به على أحزابهم شروطًا ومصالح، وقد ركز وجود حزب البعث وأعطاه المنزلة المحترمة يومذاك هذا التجرد والزهد والابتعاد عن المصالح والمنافع الذي بدا على قيادة الحزب.
ومع الزمن فإن الأحزاب التقليدية أخذت في الهبوط بينما أخذ حزب البعث في الصعود، والرأي العام بطبيعته ميال إلى التطرف، وهو كذلك متضجر دومًا من حكم جامد لا يقوم بالأعمال المثيرة أو الدافعة على الأمل والرجاء، وكان الحكم في تلك المرحلة مهلهلًا راكدًا قلقًا.
6)وهذا الوهج الذي بدا على الوجود السياسي لحزب البعث قد أدى إلى صدى عند بعض ضباط الجيش، وضباط الجيش ليسوا إلا نفرًا من المواطنين يخضعون لكل التيارات التي يخضع لها سائر المواطنين ويتأثرون بها ويتفاعلون معها. فحصلت نتيجة لذلك اتصالات بين بعض الحزبيين وبين بعض الضباط، وقامت صداقات شخصية واجتماعات وطنية بين الفئتين. وهذه أيضًا شجعت أعضاء الحزب على التمادي في المعارضة والمقاومة للسلطة الحاكمة.
ومن غير المعقول أن أزعم أن هذا الذي حدث إنما حدث بسبب انعقاد المؤتمر، ولكن أسوق المراحل التي مر بها الحزب وأذكر العوامل التي منحته الصلابة والمناعة وسهلت له التضخم والتعاظم العددي والمعنوي.
ويمكن وصف هذا الواقع الراهن الذي بينته أنه بارقة أمل بل ومرتكز يبنى عليه قيام سلطة في المستقبل القريب أو البعيد لحزب البعث. وبارقة الأمل هذه قد كانت سببًا في تدفق المنتسبين إلى الحزب من المترددين أو المشككين أو الحائرين أو الخائفين أو الطامعين. وقد سجل الحزب أعضاء كثيرين مع تقيده يومئذ بقاعدة الاصطفاء والتزكية ووضع العضو زمنًا تحت التجارب والاختبار. ويمكن القول أن مناطق برمتها في سورية قد أصبحت تؤلف مناخًا بعثيًا كاملًا حتى ولو لم ينتسب العدد الأكبر منهم إلى الحزب فالتأييد كان ظاهرًا لحزب البعث. وتعدى الحزب حدود سورية فتسرب إلى الأقطار العربية المجاورة، كما اجتاز حدود الطلاب إذ انتمت إليه فئات أخرى من عمال وفلاحين وتجار. ولم يكن طابع المنتسبين إليه هو طابع الطبقية بل إن المنتسبين كانوا من كل الفئات والطبقات وحتى من بعض الأغنياء والوجهاء.
وقفات:
الوقفة الأولى: ليس هناك تعارض جوهري بين قولي الجندي والسيد في مسألة تسيمة البعث؛ فالجندي يتحدث عن حزب اسمه البعث سبق حزب البعث الثاني، ويعترف بأن هذا الحزب لم يكتب له النجاح لأن شخصية المؤسس - الأرسوزي - لم تكن في مستوى العمل الحزبي التنظيمي، وكان معظم أعضاء هذا الحزب لا يختلفون كثيرًا عن قائدهم.
أما جلال السيد فيؤكد بأن الأرسوزي كان يردد كلمة"البعث"، ويقترح تأسيس حزب بهذا الاسم، أما قوله بأن الأرسوزي لم يتخذ ولا خطوة عملية في سبيل إنشاء هذا الحزب فغير صحيح لأن أعضاء الحزب الأول وعددهم يزيد على العشرة تحدثوا عن تجربتهم، والصعوبات التي واجهتهم، كما تحدثوا عن انضمامهم للحزب الثاني.
الوقفة الثانية: مرة أخرى يعترف السيد بأن الأرسوزي كان طائفيًا؛ ومن هذا المنظور يفسر صراعه مع الأتراك في لواء اسكندرون.
انظر إلى قوله في شرحه لأسباب تحالف النصيريين مع الأرمن والطوائف الأخرى ضد المسلمين الأتراك: (إن تكوين السيد الأرسوزي ونشأة صباه قد كانا ضد الأتراك لأسباب قومية وطائفية. فالسيد الأرسوزي يعتبر أهل المذهب الحنفي كلهم أتراكًا، وهو يمزج بين نسب الإمام والأتباع، وما دام أبو حنيفة فارسيًا فإن أتباعه كذلك يجب أن يكونوا من الفرس أو الأتراك أو من سائر الأقوام المسلمة من غير العرب، وأن أتباع الأئمة الآخرين هم العرب مادام أئمتهم من العرب) .
غريب من جلال أن يقول هذا القول ولا يعلق عليه ويبيّن سخفه، ولا أدري هل كان بمثل هذه السذاجة أم أنه آثر السكوت عن بيان الحق؟! وإذا كان أبو حنيفة أعجميًا فمحمد بن نصير مؤسس الطائفة النصرية كذلك، ومن جهة أخرى فمثل أتباع أبي حنيفة كمثل أتباع المذهب الشافعي والمالكي والحنبلي سواء بسواء، ولا خلاف إلا بالاجتهادات .. كلهم مسلمون سنة، ومن جهة ثالثة فلا علاقة للدين بالقوم، ومن العرب أنفسهم عشرات الملايين من أتباع أبي حنيفة.
أما عن تحالف النصيريين مع الأرمن وغيرهم من النصارى والملل الأخرى، فهذا دأبهم منذ نشأة طائفتهم. لقد تحالفوا من قبل مع التتار، وتحالفوا مع الفرنجة في حروبهم الصليبية، ولا يجهل السيد ذلك لأنني عثرت له على كتابات في الفرق والتاريخ، وإذا افترضنا جدلًا جهله بهذا وذاك فهو لا يجهل تحالفهم مع فرنسا وتقديمهم العرائض لها من أجل أن يستمر استعمارها لسورية، وعندما شعروا أن كفة الميزان تميل لصالح الكتلة الوطنية انضم كثير منهم إليها في نهاية الثلاثينيات، وهذا مما يعرفه الخاصة والعامة في بلادنا، فكيف بأمثال جلال السيد وهو ممن قاوموا الاستعمار الفرنسي، وكان له مساهمة واضحة في العمل الوطني منذ شبابه؟!
الوقفة الثالثة: بعد اعترافه بأن أكثرية المنضمين للحزب هم من الأقليات المسلمة (على حد قوله) والمسيحية، يزعم أن السبب كون هذه الأقليات كانت مضطهدة في العهد العثماني ولديها نزوع عفوي لتحررها من الاضطهاد، وبلوغها مرتبة الأكثرية.
ما لنا والعهد العثماني الذي كان بين نهايته وبين تأسيس حزب البعث ثلاثة عقود، هذا من جهة؛ ومن جهة أخرى، فما كان يقع من ظلم لم يكن قاصرًا على طائفة دون طائفة أخرى، وإنما كان يتعرض له المسلم كما كان يتعرض له النصراني، وربما كان الثاني أفضل حالًا من الأول لأن سفارات الدول الغربية كانت تحميهم وفق اتفاق بينها وبين الدولة العثمانية، كما كانت تبني لهم المدارس والمعاهد والمستشفيات، ومن جهة ثالثة فقد أولى الفرنسيون عنايتهم بهذه الطوائف وقدموها في كل شيء، ومنهم تشكل"جيش الشرق"، وكذلك كان شأنهم في عهد الاستقلال وحكم الكتلة الوطنية، وهو حكم علماني ومن أقطابه النصراني، والنصيري، والدرزي، وغير ذلك.
الوقفة الرابعة: يبالغ السيد في ثنائه على أعضاء حزب البعث؛ ومن ذلك قوله: (وكان الناس يشيرون إلى الحزبي عندما يمر بهم إشارة احترام وعطف، فقد كان الحزبي يومذاك مثالًا للاستقامة والتفاني في خدمة الصالح العام، والنموذج للتعفف والنزاهة) .
وقوله: ( ... كما أن طلاب البعث كانوا متفوقين في دراساتهم وكانوا مضرب المثل في هذا المضمار) .
وسأشير فيما يلي إلى بطلان ما قاله:
1)الغالبية العظمى من أعضاء حزب البعث الذين يتحدث عنهم المؤلف هم من أبناء جيلي، أي ممن ولدوا في الثلاثينيات من القرن الماضي، ومن منطلق مشاركتي المتواضعة في العمل الجماعي المنظم، ومعرفتي للحزبيين الطلبة أقول:
لم يكن الطالب البعثي في مستوى أمثاله من الأحزاب العلمانية الأخرى، فالقومي الاجتماعي السوري كان شجاعًا ومستعدًا للتضحية من أجل مبادئه، وكذلك كان الشيوعي بل ويتفوق تنظيميًا على أقرانه من جميع الأحزاب الأخرى، كما كان يعرف من أين تؤكل الكتف.
أجل، فقد كان البعثيون من أحط طبقات مجتمعنا الشامي، وأنا هنا لا أعمم وإنما أتحدث عن الأكثرية المطلقة، ومن شاء دليلًا مفحمًا على صحة ما أقول، فليعد إلى مذكرات مصطفى طلاس وزير دفاع نظام البعث في دمشق، ومما يجدر ذكره أن صاحب المذكرات من جيل الثلاثينيات، وممن انتسب إلى الحزب في مرحلة الطهر المبكرة على حد قول أمثال جلال السيد وسامي الجندي وغيرهما ممن تركوا الحزب، وفي معرض دفاعهم عن أنفسهم يدعون هذا الادعاء الذي لا أصل له ولا دليل يعضده.
قد يتناقل الناس روايات في التشنيع على أحد السياسيين الحزبيين، فيقف العاقل الفطن منها موقف الشك، ويعف عن نقلها فضلًا عن قبولها ... مثل هذه الروايات يجدها القارئ في مذكرات طلاس متحدثًا فيها عن نفسه ورفاق حزبه ... صور من الخسة والدناءة والإسفاف في الكذب في مذكرات العماد، ويعترف ويقر بأنه فعلها عندما كان طالبًا، ثم معلمًا، ثم طالبًا في الكلية العسكرية، ثم ضابطًا، فرئيسًا للأركان، فوزيرًا مزمنًا للدفاع.
فإن قال قائل: طلاس حالة شاذة!
قلت: إنني أعرف في محافظة حوران، وممن كنا وإياهم طلبة في ثانوية درعا الوحيدة عشرات من أمثال مصطفى طلاس بل أحط منه أخلاقًا ومروءة، وأصبح هؤلاء فيما بعد من كبار المسؤولين في نظامهم الباطني الذي جعل من حزب البعث سلمًا له. وعندما انتقلت إلى جامعة دمشق، وكانت الجامعة الوحيدة في سورية، ولم تكن الأردن قد أنشأت جامعة، فقد كانت هذه هي أخلاق البعثيين الذين جاءوا من مختلف المحافظات السورية، ومن الأردن وفلسطين ومن مختلف البلدان العربية.
فعمن يتحدث جلال السيد في قوله: (فقد كان الحزبي يومذاك مثالًا للاستقامة والتفاني في خدمة الصالح العام، والنموذج للتعفف والنزاهة) ؟!
2)إذا كان السيد في ثنائه على الحزبيين البعثيين يقصد أبناء محافظته، فالذي أعلمه ويعلمه غيري أنهم أسوأ أنواع البعثيين، هذا مع اعترافي بأنهم على العموم أبناء قبائل عربية، ولكن الحزب أفسد فطرتهم.
ويعترف جلال السيد بهذه الحقيقة فيقول عن أسباب استقالته من الحزب:
( ... أ) لمست وكأنما في داخل الحزب تآمر من فئات ضد فئات أخرى، ومن جناح ضد جناح ... كما أن هناك تحالفًا من جانب فئات حزبية مع عناصر من خارج الحزب ضد فئات حزبية أخرى.
ب) لقد انسجم الحزبيون مع الشيوعيين وساروا في تيارهم اللاقومي. ومضغوا الاشتراكية الماركسية إرضاء للشيوعيين، وتناسوا كل حديث عن العروبة والقومية والوحدة العربية، وتحالفوا مع الشعوبيين وساروا في ركابهم. والمراقب يومئذ لا يستطيع الحكم على حزب البعث بأنه عربي، وإنما هو منظمة سياسية من المنظمات الشيوعية التي تحمل أسماء غير الاسم الشيوعي كالشبيبة الديموقراطية أو أنصار السلام أو ما هو في معنى ذلك. وتغلب السلوك السياسي وركدت النزعات المثالية.
ج) وتخلّق الحزبيون بأخلاق الشيوعيين وتنحوا عن الخلق العربي الأصيل الذي هو التراث الثمين، مثل الوفاء والإيثار والمروءة والنخوة والنجدة والبذل وما هو قريب من هذا، ووقف هؤلاء الحزبيون موقف العدو من كل مواطن لا يدين لهم أو لا يسير وفق منهاجهم وسلوكهم.
واستباحوا دم الخصوم من المواطنين إذا لزم الأمر ذلك. والدافع العفوي إلى استباحة قتل المواطن هو القناعة بأن هذا المواطن ليس من أنصار الفرد الحزبي لا اليوم ولا في المستقبل، فالتخلص منه تخفيف للأعباء عن كاهل الحزبيين. أما الذين يمتلكهم الأمل والتفاؤل، وأن مصير هذا المواطن النهائي سيكون مع تيار الحزب القومي فإنه لا يسمح بسفك دم هذا المواطن أو التفريط به.
ويمكن أن يوصف موقف الحزبيين من المواطنين مثل موقفهم من الأجانب أعداء الأمة العربية. والمفروض في الإنسان الذي يتمتع بكافة الخصائص الإنسانية أن يكون رحيمًا حتى بالأعداء فضلًا عن كونه رحيمًا بأبناء أمته ووطنه. وهذا سلوك قد شق الحزب شقين لا من ناحية الفلسفة الحزبية ولكن من ناحية الخلق والسلوك.
د) وسلك الحزبيون مسالك المحاور القومية فتحالفوا مع دول عربية ضد دول عربية أخرى. وما قول القارئ بحلف يقوم بين جماعة اشتراكية، وبين دولة يصفها هؤلاء الجماعة بأنها بؤرة الرجعية والتخلف ومرتع الرأسمالية العربية، ويجر الحلف إلى تعاون واتفاق في بعض الأمور السياسية المحلية، كانتخاب رئيس الجمهورية أو علاقة مع دولة عربية أخرى لا تتمتع بعطف تلك الدولة وما يشبه ذلك من سلوك.
وما قول القارئ بحلف يقوم بين الاشتراكيين وبين زعماء القبائل وكبار ملاك الأرض في مجلس النواب لتحقيق أغراض معينة؟
نحن نتمتع بثقة زعماء القبائل العربية وبصداقتها غير المحدودة، وفي العلاقة الشخصية تقوم بيننا كما يقول المثل؛"وحدة حال". ولكنا لم نكن نربط هذه العلاقة بالأمور السياسية. وعندما كنا في مجلس النواب كان زعماء القبائل يقفون منا موقف الخصم ونحن نقف منهم كذلك موقف الخصم في الأمور السياسية، وعندما تنتهي المواقف الرسمية المبدئية فإن صلاتنا مستمرة على ما هي عليه من القوة.
والحزبيون النافذون ولا سيما النواب منهم لم يعودوا يتقيدون بمثل هذه الأساليب. وقد تجمعت قوى كثيرة مختلفة المشارب والنزعات فتحالف البعثيون معها ومع حلفائها من العرب خارج سورية وعلى الأخص السعودية ومن بعدها مصر.
ومن هنا يمكن القول أن حزب البعث قد"تدوّل"ولم يعد ملك أهله في داخل الوطن، وإن تحركاته تتأثر كثيرًا أو قليلًا بأطراف تلك الأحلاف الداخلية أو الخارجية التي لمّحنا إلى كثير من عناصرها.
وكان البعث يسير في طريق مسدود، والذي يقيس الأفعال على برنامج الحزب فإنه لا يجد علاقة ولا صلة بينهما، وكأنما هنالك يد خفية تزين للبعث مثل هذا السلوك لتنصب عليه النقمة وتستطيع تلك اليد بعد ذلك أن تنهي وجوده.
وتراكمت الحوادث وأثقل بعضها بعضًا في نفسي. كما لمست أن هناك مناخًا مصطنعًا قصد به تنفيري عن الحزب، فأنا معروف الاتجاه والخلق والأسلوب، وفي الإمكان السلوك ضد هذا الاتجاه والخلق والسلوك لإيجاد الهوة والخلاف تمهيدًا ليوم حاسم.
وعدت إلى الأصدقاء الأولين من زملاء التأسيس وشرحت لهم ما هو كائن وما هو مخالف لأبسط قواعد الحزب القومية، وكيف أنهم قد ارتموا في أحضان الوجاهة والزعامات التقليدية ومالوا إلى نوع من المحالفات العربية والأجنبية التي لا تخدم الحزب ولا الأمة، فلم أجد عندهم أي استعداد للقيام بعمل يعيد الحزب إلى حقيقته وأصالته، ووجدتهم كالمستخذي المغلوب على أمره، وأيقنت أن الحزب يندفع في طريق مرسوم له ولابد أن يبلغ نهايته، ولابد للذي يريد صون مواقفه والحفاظ على انسجامية السلوكية أن يكون بعيدًا عن الحزب.
وأعملت الفكر طويلًا لعلي أجد مخرجًا فلم أجد إلا مخرجًا واحدًا هو السلامة بنفسي. ومن لم يستطع إنقاذ المنظمة كلها فلا أقل من أن ينجو بنفسه، فقررت اتخاذ الإجراء اللازم رغم المرارة التي أشعر بها من جراء ما أنوي عمله. ولكن هكذا قدمت إلى الأستاذ ميشيل عفلق بصفته الأمين العام للحزب الكتاب التالي:
"دمشق في 21 / آب / 1955"
إلى حزب البعث العربي الاشتراكي بواسطة؛
حضرة الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي الموقر.
ظهرت بوادر خلاف بيني وبينكم في وجهات النظر، في ما يتعلق بالقضايا القومية والاجتماعية والخلقية، ولما لم أستطع تصحيح الخطى وفقًا لآرائي ومعتقداتي فإني لم أجد بدًا من الانسحاب من الحزب، وآمل أن تبقى علاقات الود قائمة بيننا رغم الانسحاب.
تعلمون - يا حضرة الأمين - أني ضحيت بكل شيء في سبيل صنع الحزب ورعايته، فلما شب الحزب وترعرع تبين لي أنه أتى على غير الصورة التي رسمتها وعلى غير المثال الذي مثلته في خاطري.
إن إنسانًا متجاوبًا مع حاجات أمته مرهف الحس يستطيع أن يتصور ما يعتلج في نفسي من حرب الآلام لهذا الانسحاب. ولكن القدر لا يغالب.
وختامًا؛ أرجو أن يسدد الله خطاكم ويلهمكم من أمره رشدًا.
والسلام عليكم.
جلال السيد") ا. هـ."
ها هو السيد يناقض نفسه بنفسه، ويتهم البعثيين بالانتهازية والانحراف، ثم يشتد في الهجوم عليهم فيقول: (تنحوا عن الخلق العربي الأصيل، مثل الوفاء والإيثار والمروءة والنخوة والنجدة والبذل وما هو قريب من هذا) .