مجازر صدام ضد"أهل السنة"
الحمد لله .. والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين.
أما بعد ..
فإنه وإن كان حزب البعث قد بات اليوم في العراق أثرًا بعد عين .. ودارت على زبانيته الدوائر فشربوا من ذات الكأس التي أذاقوا الملايين منها ..
إن كان هذا هو الحال؛ فإننا ما زلنا نرى ضرورة الإستمرار في فضح خبث وشراسة هذه الطغمة البائدة .. إذ أننا ما زلنا نبصر إناسا من بني جلدتنا استمرأوا الذل والهوان .. وما زالوا يحسنون الظن بهذه الأنظمة الجاهلية! ويؤملون منها خيرا!
{والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه .. والله سريع الحساب} .
[منبر التوحيد والجهاد]
نخاطب فيما نكتبه عن جزار العراق صنفين من الناس:
عامتهم: ليعرفوا ما يعانيه إخوانهم في هذا البلد البائس الذي ابتلاه الله بهذا الطاغية.
خاصتهم: من إخواننا الذين كانوا يقولون في فترة عصيبة: لقد تاب الرجل، والله سبحانه وتعالى يغفر الذنوب جميعًا ... نخاطبهم ليحذروا ولو للمرة المائة من هؤلاء الذين يدعون التوبة عندما تشتد حاجتهم إلى الجمهور الإسلامي وإلى استخدام العاطفة الإسلامية.
فبالأمس أعلن ثعلب تكريت - مع الاعتذار إلى الثعلب من هذا الوصف الذي يسيء إليه أيما إساءة - عن إقامة بعض الحدود، وتبنى تدريس القرآن وتحفيظه في المدارس، وسمح بطباعة ونشر بعض الكتب الدينية، بعد حظر طويل ... وراح بعضهم يكتب مرة ثانية عن توجهه الإسلامي.
الجدير بالذكر أن التوجه الثاني بعد حرب الخليج الثانية كان يصاحبه حملة إعلامية واسعة وإعدامات لمن يسميهم النظام» بالوهابية «، ومع ذلك فالمسألة كانت خاصة بالسلفية والسلفيين ... والآن ظهر قصد الثعلب وكشَّر عن أنيابه ... كان يريد أن يقبل الدعاة على المساجد، ويمارسوا حدًا من الحرية في خطبهم ودروسهم، ومن جهة أخرى تقوم أجهزة مخابراته بتتبعهم، لوأد هذه الصحوة في مهدها، وهذا الذي ينفذه من عدة شهور.
وإليكم مايحدث في عراقنا الجريح كما نقل إلينا فارون من هناك:
البطش والإرهاب:
منذ ما يزيد على ثلاثة شهور وموجة الاعتقالات والإعدامات تجتاح المدن ذات الأغلبية السنية، ولم يسلم من هذه الاعتقالات حتى آحاد الدعاة من أهل السنة العاملين في أوساط المدن الأخرى. أجهزة الأمن في حالة استنفار قصوى، وجواسيس النظام منتشرون في كل مكان، والشباب الملتحي يجر من الطرقات بشكل عشوائي ويزج في السجون، ومن له ملف سابق في دائرة الأمن، لا يرجى إطلاق سراحه، وقد ينتهي به الحال إلى الإعدام، وليس من حق الأهل إظهار الحزن أو تقبل التعازي. الذئاب لا يفرقون بين رجل وامرأة، وقد ثبت إعدام إحدى الأخوات في مدينة بغداد، واعتقلت أخريات كرهائن بعد فرار أبنائهن أو أزواجهن.
الرسالة التي يريد النظام إيصالها إلى شباب الصحوة موجزة وواضحة: انسلخ من دينك ولن يصيبك مكروه. فحفظ القرآن عندهم تهمة، وصلاة الفجر تهمة، اللحية تهمة، النقاب تهمة، السواك تهمة،"الدشداشة"تهمة، الطاقية تهمة، حيازة مؤلفات ابن تيمية وابن القيم تهمة، وهكذا.
وتسلك أجهزة الأمن أسلوبًا جديدًا في التحقيق ومن ذلك: عرف السنة، عرِّف التنظيم، عرِّف الارتباط، ما رأيك بالاعتراف بإسرائيل؟ ... المنازل أصبحت أهدافًا لمداهمات قوى الأمن، والمطاردون يقضون ليلهم بين منازل الأقرباء والأصدقاء، تحسبًا من زوار الليل.
يقول أحدهم: في كل مرة يطرق فيها الباب، أو نسمع فيها ضجيج سيارة، تمتلئ القلوب فزعًا، ويطبق الصمت، وتدوي في مسامعنا كلمات صدام التي قالها في مقر المخابرات: اضربوا هذا التيار بأشد الوسائل، وتحتد نظراتنا إلى بعضنا البعض؛ الزوجة إلى زوجها والأب إلى أطفاله، لقد أتوا!.
ويعمد الكثير إلى التواري عن الأنظار في القرى والأماكن النائية، إلى حين الإعداد الكامل لرحلة الخلاص، بعد بيع الدار والسيارة وكافة الممتلكات. وهم اليوم يتوافدون على المناطق الكردية، زرافات ووحدانًا، سيرًا أو على أظهر البغال، في رحلة تبدأ عند جنوح الظلام وتستغرق (15 - 20) ساعة عبر الجبال والوهاد ونقاط الجيش وحقول الألغام.
حدثني أحدهم فقال: خرجنا في قافلة من الرجال والنساء والأطفال، وسرنا نحو عشر ساعات في ظلام دامس لا يرى أحدنا فيه الآخر، حتى تورمت أقدامنا، ونفد ماؤنا، والتصقت من شدة الظمأ شفاهنا. الأطفال ملأوا المكان عويلًا، وكنا لا نزال في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة، وأفراد الجيش لا يترددون في فتح نيرانهم من فوق روابيهم صوب أي مصدر للصوت أو الضوء، ولقد كدنا نقع في قبضة الجيش بعد أن فقدنا دليل السفر في عملية البحث عن الماء.
وقال آخر بكلمات ممتزجة بالدموع: نحمد الله تعالى على سلامة الوصول، ولازالت زوجتي وأطفالي الستة متخفين في قبو مذ فارقتهم قبل ثلاثة أسابيع، أدعو الله أن يحفظهم من شرورهم وأن يردهم إلي سالمين.
تناقلت الصحف أسماء العشرات من الذين ثبت إعدامهم، والذين مازالوا رهن المعتقلات.
ومن المؤسف جدًا أننا مازلنا نجد عند من هم مظنة للخير، وفي محنة للمسلمين كهذه، متسعًا لاعتباراتهم الحزبية، فتراهم يتحدثون عن الأصحاب وينسون الآخرين. وقناعتي هي أن المسلمين كالجسد الواحد، والمسلم يجب أن يسمو فوق هذه الحواجز التي هي ليست من الدين في شيء، ويجعل من نفسه محاميًا لأخيه المسلم دون النظر إلى انتمائه أولًا.
الإعلام والدعوة إلى الفساد:
وكان النظام قد مهد لضربته بحملة إعلامية واسعة، شاركت فيها وسائل إعلامه، وما يسمى بمجلس الشعب والمنظمات الشعبية، والحزبية، والنقابات، وخطباء الفتنة. وقد استهدفت الحملة استثارة روح العداء العام لما يسميه النظام بالوهابية، ويقصد به الدعوة السلفية. وما فتئت صحيفة عدي (بابل) تقود حربًا شعواء على دعوة السلف الصالح التي تعم البلاد، فتصفها بالشيطانية تارة وبالعمالة للسعودية تارة أخرى. والمضحك في هذا الاتهام أن نظام آل سعود يخوض هو الآخر حربًا مماثلة مع أصحاب هذه الدعوة.
وتقف قناة"الشباب"التي يملكها عدي على ثغرة مهمة من هذه الحملة، ولا يدع مفتي القناة حلقة من برنامجه الأسبوعي إلا وهاجم فيه» الوهابية «، ويتساءل بأسلوب استهزائي: أين هم الوهابيون؟ لماذا لا يخرجون لمناظرتي؟ لا تصدقوهم إنهم مفترون.
وقد تحول البرنامج إلى ركن للفكاهة بسبب سخرية هذا الزنديق بأحكام الشرع وهو يجيب - بزعمه - على أسئلة المشاهدين، ومغازلته النساء وإقرارهن على الباطل. وتتخصص هذه القناة التي اختارت الآية الكريمة {إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى} شعارًا لها، ببث الأفلام الإباحية المحضة والخادشة للحياء، والمسلسلات والأغاني الغربية الماجنة وعروض الرقص، وتغدق الهدايا النقدية المغرية على كل مطرب هاوٍ، حتى ألفى الغناء والطرب وسيلة لكسب العيش. وأوجدت تيارًا من الشباب المائع العاطل عن العمل الذي لا يعرف صنعة في هذه الحياة سوى التسكع في الأماكن العامة، وحمل آلات التسجيل والتمايل طربًا في الطرقات على أنغام الموسيقى الغربية الصاخبة. ويرعى عدي شخصيًا حفلات الرقص والمجون في الأندية الليلية، وحفلات الزفاف الجماعي التي تعار فيها ملابس الزفاف بالمجان، والحاضرات ملك يمينه، يختار ويراقص منهن من تشتهيه نفسه وتلذ به عينه، ومن شابه أباه ما ظلم، والضابط الذي قتله على رؤوس الأشهاد لأنه رفض مراقصة زوجته، عبرة لمن أراد أن يعتبر.
وعدي هو الذي عارض في صحيفته قرار منع تناول الخمور والرقص في الأماكن العامة، وقال: ذلك من شأنه أن يشجع الحركات الإسلامية في البلاد ويجر عليها المصائب، ولا نريد لبغداد أن تتحول إلى مدينة أصولية. وكل ذلك في الاطار العام لسياسة إشاعة الرذيلة التي يتبناها النظام وينفذها بقوة في المؤسسات الرسمية والجامعات.
نشر التصوف والخرافة:
ويتبنى النظام البعثي توجهًا خرافيًا بالغ الوضوح، وتشهد البلاد حملة واسعة لترميم القبور وبناء الأضرحة، التي يُحث العوام على زيارتها. ويرعى نائب رئيس الجمهورية افتتاح العشرات من التكايا (الزوايا) التي تقام فيها الولائم العامة العامرة باللحوم والدجاج والأرز. وماذا عسى الجياع الذين لا يجدون رغيف الخبز أن يفعلوا، إلا أن يكونوا روادًا لهذه التكايا؟
وانتشرت الشركيات والاستغاثة بالأموات، وصارت عبارات: يارفاعي، ياكيلاني، يادسوقي، ياكرخي، أركانًا جديدة لخطبة الجمعة، ومن لا يستغيث بالأموات فهو"وهابي"وحسابه على أجهزة الأمن. وقد سار بعض الضعاف على الطراز الجديد، وفر آخرون. ولا تقام صلاة الجمعة اليوم في العديد من مساجد بغداد المهمة بسبب هروب الخطباء، وغدت في المساجد الأخرى أشبه ما تكون من حيث أعداد المصلين بصلاة العصر، ولا يأتيها في العموم إلا الصغار والمسنون.
ولا يعني ركوب حزب البعث لموجة الصوفية اعتقاده بخرافاتها، فالحزب علماني، ولا غرابة في ذلك، فقد سلك الإنكليز من قبله هذا المسلك مع شعوب المنطقة، لكن معركته مع المسلمين تضعه في حاجة إلى شيوخ الصوفية الذين يسمون أنفسهم شيوخًا للمسلمين، والذين يشاركوه بغضه الدفين لمنهج السلف الصالح، وقد كان لهم دور بارز في شتم الدعاة والتحريض عليهم من فوق منابر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
منع بناء المساجد والعكس مع الكنائس:
لم يكف أتاتورك العراق منعه مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعيه في خرابها، حتى راح يمنع بناءها بالكامل! والتعليل هو: المساجد تحتوي على دكاكين تجارية والباعة يتلاعبون في الأسعار ويستغلون أبناء الشعب!! وكم من مسجد أغلق، أو سقط، أو تحول فناؤه إلى مكان لرمي القمامة، منذ ابتلى الله هذه البلاد بحزب البعث؟
بالأمس أقفل صدام المدارس الدينية لأهل السنة دون غيرهم، وأقصى علماءهم، وأمم منابرهم، وختم بالشمع الأحمر مكتباتهم، واليوم يقفل مساجدهم وينحر دعاتهم، ويأخذ تعهدًا خطيًا على البقية الباقية منهم بعدم الدعوة إلى القرآن والسنة، ثم يقال: السنة هم الذين يحكمون البلاد! حاشا لأهل السنة أن يعد صدام واحدًا منهم. أو أن يقال: السنة هم دعامة النظام، عوضًا عن القول: إن أصحاب المنافع والأهواء من أبناء السنة هم الذين استمالهم النظام لأغراضه، كما استمال أمثالهم من الطوائف الأخرى. أما الأنقياء فهم الوقود الحقيقي للصراع، وهم الذين يعارضون النظام، عزلًا من أي دعم خارجي أو هوى شعوبي، ليعيدوا لصفحة أهل السنة وجهها الناصع الذي عرفته الأمة على مر تاريخها الطويل، ولابد لأهل السنة من التنبه إلى هذه الحقيقة وعدم التنازل عنها.
أما الكنائس، فليس فيها دكاكين، ولا مانع إذًا من بنائها. ويلمس الناس ظاهرة تشييد الكنائس الضخمة، التي أصبحت بصلبانها العالية إحدى المعالم المعمارية للمدن، وترميم الكنائس القديمة.
وفي عام 1989م جُدد المعبد اليهودي في بغداد بناءً على تعليمات خاصة من صدام، علمًا أن المعبد لا يرتاده أكثر من (50) يهودي كحد أقصى في المناسبات، ولا يوجد في العراق اليوم أكثر من (50) عائلة يهودية حسب إحصاءاتهم.
اليهود والخروج من عنق الزجاجة:
اتصالات صدام باليهود، ليست هي الجديد في الأمر. الجديد هو فشل جميع شفعائه في استرضاء أمريكا وفك الحصار، وإقباله على اليهود أهل الحل والعقد في المنطقة.
ويعرف صدام جيدًا أن رضا أمريكا في رضا إسرائيل، وأن سلعة إسرائيل غالية، وبأي العملات تباع هذه السلعة وتُشترى. وهذه الأرواح التي يزهقها هي عربون الصفقة، وإذا كان قد استنفد أرصدته من العملات الصعبة وغرق في الديون الخارجية إلى شحمة أذنيه، فهذه عملة متجددة لا تنضب، وغلة يحصدها كلما أينعت، وستتكرر هذه المجازر وتعظم كلما حان الدفع وعزّ الطلب.
ويتلقى أعضاء الحزب توجيهات جديدة مفادها: أن ظروف الحصار تحتم علينا التصالح مع إسرائيل، وليست هذه مساومة على المبادئ، بل مناورة لفك الحصار، وبعدها يعود كل شيء إلى سابق حاله. ويستجوب الدعاة في جلسات التحقيق عن آرائهم في الاعتراف بإسرائيل، ويحذر الخطباء من التطرق في خطبهم إلى الصلح مع اليهود وأحكامه في الدين. ومن المتوقع قريبًا سريان التوجه الجديد على الآيات القرآنية التي تتحدث عن اليهود وأخلاقهم، وتحذف غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم ومواقفه معهم من المناهج الدراسية، أسوة بالدول السابقة إلى السلام.
ولا غرابة بعد ذلك في تصريح بوش مؤخرًا من أنه غير نادم على إيقاف الحرب وترك صدام في الحكم. واليوم وبعد أن أنجزت معظم أهداف عاصفة الصحراء، هناك مؤشرات قوية على قرب رفع الحصار ولو بشكل جزئي، ليتمكن صدام هذه المرة من مزاولة دوره الذي ينتظره - في إطار المنطقة العام - إلى جانب أشقائه الحكام العرب، الذين بدأوا بتهيئة الأجواء لعودته.
هكذا دخل صدام بالشعب بحر الجوع والفقر والمرض واليتم، وهكذا سيخرج منه سالمًا من البلل، والقصور الخاصة التي كان يشيدها في أرجاء البلاد على مدار سني الحصار الأربعة، وغيرها التي كانت تهدى لحرمه لأنها أنجبت"زهرتَيْ شباب العراق"، كانت عملية تحدٍ لأمريكا. ولم يبق اليوم في حكم البلاد إلا الزهرتان وأبوهما الذي يجمع بين (14) منصب. ومن حق أيٍ من الزهرتين توجيه إهانة إلى صاحب أعلى رتبة في الجيش أو وزير من الوزراء، أو المطالبة بإلغاء أي قرار وزاري من على شاشة التلفزيون، ليلغى القرار من فوره، أو الإعراب عن رغبة معينة لتتحول الرغبة إلى قرار رسمي في اليوم التالي.
ليس في كل ما سبق خرق لقرارات الأمم المتحدة وميثاقها، لأن هذه قضايا داخلية من اختصاص الشعب، والأمم المتحدة لا تتدخل في شؤون دولة ذات سيادة - كالعراق - أما أمريكا والدول الغربية فدورها ينتهي برد الاعتداء الخارجي لدولة قوية على أخرى ضعيفة، وليس من حقها فرض نظام حكم معين على شعب من الشعوب.
أبشر بطول سلامة يا مربع!
[بقلم: ربيع الحافظ > مجلة السنة > العدد 44 > رجب، 1415 هـ]