الصفحة 16 من 17

مواهب"حافظ الأسد"!

[الكاتب: محمد سرور]

-هل كان حافظ الأسد مفكرًا وشاعرًا وسياسيًا وهو لا يزال طالبًا في ثانوية اللاذقية؟!

-وهل صحيح أنه من خلال رئاسته للمؤتمر العام لكل طلبة سورية لعب دورًا مهمًا في المظاهرات التي كانت تعم سورية؟!

-وهل هو بسمارك العرب الجديد، أم هو نسخة جديدة عن صلاح الدين الأيوبي كما تساءل اليهودي موشي ماعوز في كتابه: «الأسد، أبو هول دمشق» ؟!

-وهل صحيح أن أسدًا كان وفيًا لزملائه: «وأنه بكى عندما سمع بنهاية الجندي - عبد الكريم - العنيفة. صحيح أنه هندس سقوط الجندي إلا أنه كان يمقت المجابهات العنيفة وبخاصة إذا كان الضحايا من رفاقه» [1] ، وأنه «لعب دورًا هامًا وحساسًا في إحباط مؤامرة حاطوم، وفي حملة التطهير الضخمة التي أعقبتها. ولكنه لم يوافق على النهاية الوحشية التي آلت إليها. وبعد ذلك بثلاثة أعوام، وعندما أصبح رئيسًا لسورية استقبل أرملة حاطوم، ومنحها معاشًا» [2] ، ثم يستطرد باترك سيل فيذكر أمثلة كثيرة على وفاء أسد لرفاقه وكرهه للعنف، فما مدى صحة ذلك؟!

سأفسح المجال لرفاق حافظ الأسد ليتحدثوا عن صفات وطبائع زميلهم ابتداء من دراسته في الكلية العسكرية في كل من حمص وحلب، وانتهاء بالسنوات الأخيرة من عمره [3] .

الكلية العسكرية:

سألت صاحبي الضابط الذي كان أستاذًا لأسد في الكلية العسكرية بحمص التي ذكرها باتريك سيل في كتابه.

فأجاب: «كان عاديًا، ولم نلحظ فيه ما يميزه عن غيره، على عكس زميله مصطفى طلاس الذي كان دائم المرح والابتهاج، وعنده من القصص والطرائف ما يشد بها انتباه رفاقه، وإن كانت خفته لا تكسبه احترام الآخرين.

كان طلاس أحد الذين يتهكمون على أسد، وقد يعيد له"المطب"الذي أوقعه فيه من قبل، فإن قال له الزملاء: لن يلدغ أسد من جحر واحد مرتين، أو ستفشل خطتك. أجابهم: إنه ... لا يفهم، وسترون بأنه لا ينتبه ولا يتعظ، ثم تنجح الخطة، وتتعالى قهقهات الطلبة، ويرد عليهم أسد بشتائم مقذعة».

وأضاف الأستاذ: «كان زملاؤه وأخص منهم أبناء المدن يتهكمون عليه فيخاطبونه باللهجة التي يتحدث بها النصيريون، ويذكرون له قصصًا لاذعة لعلها من الأسباب التي ضاعفت من حقده على أهل المدن» .

وبعض الذي ذكره لي الأستاذ الضابط تحدث عنه مصطفى طلاس، ولكن بشكل ملطف يتناسب مع مكانة الرئيس القائد، وبعد استئذانه، وأخذ موافقته.

يقول طلاس: «وهنا لابد أن أفتح قوسين لأفرد سطورًا لتلك العقوبة التي كان يوقعها حافظ الأسد بمن لا يروقه تصرفه من رفاقنا من الكلية. كما أعترف الآن أي يوم كتبت هذا الفصل أنني استأذنته فيه فقال: لا عليك اكتبها أنت قبل أن يكتبها غيرك.

كان الرفيق حافظ الأسد يتمتع ببنية قوية عائدة للوراثة، فأبوه علي الأسد كان أسد القرداحة بلا منازع. وجاء حافظ قويًا كأبيه، لكن قوته الخارقة كانت في جبهة الليث ... والعظم الجبهوي وهو العظم الأقوى في الرأس هو لديه كالفولاذ، وكما أن شمشون في الأسطورة، كانت قدرته في شعره وأخيل قوته في وتر الرجل فوق كعب القدم، فإن حافظًا وهذه حقيقة وليست أسطورة، متميز بقوة الجبهة فكأن الله اختص الدماغ بحماية لا تقاوم.

اشتهر الأسد بذلك ولم يكن أحد في الدورة يجرؤ على المجازفة معه بهذه الرياضة لأنه إن فعل فسوف يصاب بارتجاج دماغي ما كان أغناه عنه أو على الأقل بصداع على مدى أسبوع، هذا إن أدركت حافظًا به رأفة.

وهذا كافٍ وحده أن يوقف الطالب عن الطيران عدة أيام.

وكان من عادة حافظ إذا رأى أحدهم تغالظ معه بمزحة أن يصرخ بي؛ مصطفى أمسكه لأربه.

ويا ما كنت أتعرض لشتائم من المنطوح، تتناسب طردًا، مع شدة الصدمة.

الأسد والفراشة [4] :

كنا في الكلية الجوية نحب السهر، ولا ننام قبل أن ينتصف الليل لكننا نستيقظ قبل الديكة وأجسامنا أشد من الحديد. بوركت الفتوة التي لا يعادلها عمر آخر، مهما حاولنا المكابرة في هذه الأيام. وكان الأسد لا يشق له غبار لا في السهر ولا في السمر، وكان من رفاقنا الساهرين السامرين شريف بدوي، ممدوح حمدي، مصباح صمصام، زهير حناوي، ومخلص شيخ الغنامة ونجاتي السباعي وأخرون. لكن حافظًا على حبه لليل كان يرجونا أن لا نزعجه إذا نام ولاسيما عندما يكون عليه في الغد واجب طيران، وحافظ في هذا الموضوع كما في غيره ذو وجدان مسلكي صارم لا يلين. ومسؤوليته تحتم عليه يومها وفي كل يوم أن يكون في أعلى درجات الجاهزية وراحة الأعصاب كما تقتضي تعليمات أمان الطيران.

أما نحن الذين ليس عندنا في غد شيء من هذا فما همنا؟! لم نكن نرتاح ولا نترك غيرنا يرتاح. وبالفعل فإن السهر بدون الأسد كالسهر مع بنات آوى والضباع، وبناء عليه فكثيرًا ما كنت أغري زهير حناوي ليتحرش بالأسد، ويفسد عليه نومه، كأن يدخل إلى ناموسيته فراشة لنرى كيف يتعامل الأسد معها. وكان زهير كثيرًا ما يقول لي: لئن فعلت وطلب منك حافظ أن تمسكني لينطح فماذا أنت فاعل؟ وكنت أقول له: أعوذ بالله. ويخطف زهير رجله وراء نادي الضباط متصيدًا جندبًا أو صرصارًا أو فراشة ويعود إلى سرير الأسد وقد التف الشباب من حوله ليشاهدوا تطبيق الخطة.

ويرفع زهير الناموسية بخفة ويضع الطريدة على صدر الأسد وكثيرًا ما يوجهها نحو الوجه وما هي إلا ثوان معدودات وتهب العاصفة، لقد أيقظت الفراشة الأسد ويفتح عينيه فيراهم متحلقين وبسرعة يفهم كل شيء وكلمعة برق يقفز من السرير وهو يقول: مصطفى، لا تدع الخنزير زهيرًا يهرب. وأقول أنا: أعوذ بالله وتكون يدي قد أخذت زهيرًا بطريقة التثبيت من الخلف - على طريقة المصارعة الرومانية - وتبدأ الفقعات وزهير يستنجد ولا من منجد وزهير يشتمنا بكافة اللغات، ويعود الأسد إلى سريره مهددًا إذا تكررت المحاولة فالمسألة لن تنتهي بدون مستشفى أو طبيب مختص بمداواة الاختلال العقلي.

ونعود نحن إلى الندوة لنوالي الضحك من جديد، ونتفقد جبهة زهير من جديد» [5] .

اللجنة العسكرية:

تخرج الأسد من الكلية العسكرية عام 1954 ملازمًا ثانيًا في سلاح الطيران، والتحق بأكثر من دورة تدريبية، ومنذ تخرجه وحتى يوم الثامن من آذار 1963 لم يكن له شأن يذكر في الجيش ... كان كأي ضابط من بين آلاف الضباط، ثم من بين عشرات آلاف الضباط بعد قيام الوحدة بين سورية ومصر. فلم يعهد عنه أنه خاض معركة أو قام بعمل فدائي أكسبه مجدًا ميزه عن أقرانه ممن يحملون نفس رتبته.

وفي عام 1964 كشف اللواء محمد عمران أسرار اللجنة العسكرية بعد خلافه مع كل من اللواء صلاح جديد واللواء حافظ الأسد، قال مؤلفو كتاب حوار حول سورية: تبين فيما بعد أن مؤسسا اللجنة كان صلاح جديد ومحمد عمران، اللذان ضما إليهما نقيبًا طيارًا اسمه حافظ الأسد، نقلته قيادة الجيش من سورية إلى مصر، حيث خدم في مطار قريب من مدينة السويس المصرية .. وهذه اللجنة الحزبية العسكرية هي التي أعادت تنظيم ضباط الجيش البعثيين في مصر ... وكانت الدائرة المغلقة الأولى قاصرة على ضباط نصيريين، والدائرة الثانية هم من أسماهم محمد عمران بالفاطميين أي النصيريين والدروز والاسماعيليين، والدائرة الثالثة تشمل الضباط البعثيين بشكل عام، ولي عودة إن شاء الله إلى الحديث عن اللجنة الحزبية العسكرية ودوائرها الثلاث.

كان عمران وجديد قطبين متكافئين، وفي إطار نشاطهما داخل الطائفة النصيرية المغلقة ضما إليهما النقيب الطيار حافظ الأسد، وكل منهما يرى أنه سيكون إلى جانبه فهو خجول ومتردد .. ومع مرور الأيام استطاع جديد أن يكسبه - أسد - إلى جانبه لأن عمرانًا كان كثير المناورة: فتارة يحاور الناصريين لإعادة الوحدة، وتارة يضغط على زملائه مطالبًا إياهم بطاعة قيادة الحزب المدنية مع أنهم متفقون على غير ما يطلبه منهم.

جديد عرف كيف يكسب حافظًا، ففي أعقاب حرب حزيران 1967م أخذ ضباط الجيش استقالة من أسد مكتوبة بخطه، وجاءوا بها لصلاح فقال لهم: من غير المعقول تحميل شخص بمفرده وزر هزيمة كهزيمة حزيران، وأن الحزب يجب أن يبقى متضامنًا وملتفًا حاول قادته ... وعندما طُرِحَتْ قضية الأسد في اجتماع القيادة القطرية صوت صلاح جديد ضد قبول استقالة الأسد، وصوت معه عبد الكريم الجندي الذي أصبح فيما بعد ضحية من ضحايا هذا الذي أحسن إليه. جدير بالذكر أن صلاحًا هو الذي دبر مؤامرة إجبار أسد على الاستقالة، وهو الذي أنقذه، وأسد لا يدري إلا بمساعدة صلاح له!!

وعندما اشتد الصراع بين جديد والأسد، كان الأول يعتقد بأن الثاني مجرد مسؤول خرج على السلطة القائمة، وأنه ليس ممثل سلطة بديلة، واعتبر المعركة معه شخصية، بمعنى أنها ستنتهي إلى طرده كشخص فرد من الجيش وتجريده من مناصبه وإلى محاكمته، ولن تترتب عليها ذيول جدية بالنسبة لبنية الجيش والأمن، وإن تطلب الأمر ربما استبدال أو إقالة هذا الضابط أو ذاك من حاشية الأسد المقربة. بل إن هناك من ينسب إلى صلاح جديد رأيًا يقول إن الأسد لن يقدم على القيام بانقلاب ضد السلطة القائمة، لأنه رجل خجول ومتردد، ويعرف أن أتباعه سينقضون عليه في أول فرصة وسيفتكون به، لاسيما وأنه سيستند في انقلابه، إن هو نفذه، إلى قوة مجموعة عمران، التي تعرف دوره في حركة 23 شباط 1966، وتتحين الفرص للخلاص منه كشخص ضعيف تحالفت معه إلى حين لتنفذ إنقلابها على السلطة القائمة، وإن أعطاه تحالفهما مع فرصة الظهور بمظهر رجل الجيش القوي وغطى على ضعفه، وأوهم بعض السذج أن القوة الممسكة بالجيش، أي مجموعة عمران، أعطته تفويضًا بالبقاء في الحكم بعد الإنقلاب، وأنها ستكون بحاجة إليه بعد نجاحه.

الأسد من جهته لم يضيّع الوقت، لقد أسس تحالفًا مع مجموعات من صغار الضباط - مجموعات العليين - كانت تدين بالولاء لمحمد عمران، كما عمل باسم سرية أوضاع الجيش الذي يعاد بناؤه، على منع الحزبيين من الوصول إلى ثكناته وتنظيماته الحزبية. وحظر تعميمات ونشرات الحزب بحجة تنافيها مع فكر البعث - مراضاة لجماعة عمران - أي لكونها ماركسية، ثم قام بسلسلة من التعيينات والمناقلات انتهت إلى إبعاد القوى المؤيدة لصلاح جديد من الجيش. انتبه جديد في وقت كانت الأمور قد حسمت لصالح خصمه، ولابد أنه تذكر نصيحة من قال له من أتباعه: إن الجنرالات المهزومين يستولون على السلطة إن بقوا في مناصبهم، ليغسلوا عار هزيمتهم بانقلاب يحمّلون رفاقهم بعده مسؤولية ما جرى.

وإذن فقد كان كل طرف مطمئنًا بأن الخطر لن يأتيه من جهة أسد، وعندما انتصر جديد على عمران في 23 شباط 1966 كان واثقًا بأن أسدًا من رجاله، وفي أسوأ الاحتمالات لن ينفرد أسد في السلطة لأنه ضعيف متردد، ولن يستطيع اتخاذ مثل هذا القرار ... جديد نسي أو تناسى المثل العربي: «من مأمنه يؤتى الحذر» لاسيما وهو من أكثر الناس حذرًا، ويحسب لكل شيء حسابه.

هذا التلميذ الضعيف استفاد من مكر ودهاء أستاذه جديد فتعلم منه الكثير، كما وأنه استفاد من ثقة جماعة عمران بأنفسهم ومن قدرتهم على الإطاحة به عندما ينجح الانقلاب على جديد. وليس هناك من شيء أشد ولا أشرس من الضعيف إذا انتصر، وهذا الذي فعله أسد، فأما جديد وزعين ونور الدين الأتاسي فلقد جرى اعتقالهم بطريقة سهلة وماتوا في السجن أو خارجه بعد أن أصبحوا في حالة صحية ميؤسة، وأثناء سجنهم لم يسمح لأية جهة دولية أو محلية بمقابلتهم أو الاطلاع على أحوالهم، ولم توجه لهم أية تهمة على الإطلاق، ولم يحاكموا. إنهم قيادة متسلطة مناورة وكفى.

وأما جماعة عمران فقد كافأهم باغتيال زعيمهم اللواء محمد عمران وزير الدفاع السابق، ورئيس اللجنة العسكرية الثلاثية التي كان الأسد هو العضو الثالث فيها، ومخابرات القوى الجوية برئاسة محمد الخولي هي التي نفذت عملية الاغتيال - عام 1971 - في طرابلس الشام المدينة التي التجأ إليها المجني عليه.

وأما العقيد عبد الكريم الجندي رئيس المخابرات العامة الذي كان يعارض إقالة أسد وتحميله وزر هزيمة حزيران فلقد حاصرته دبابات ومصفحات سرايا الدفاع وقتلته أو أجبرته على الانتحار - لا ندري - [6] .

حمود الشوفي:

أمين عام القيادة القطرية، وعضو القيادة القومية، وأحد أبرز منظري اللجنة الحزبية العسكرية، ولقد ارتبط بصلات وثيقة مع حافظ الأسد منذ انقلاب آذار 1963 وحتى غاية 1979 حيث أعلن عن تخليه عن وظيفته كمندوب دائم لسورية في الأمم المتحدة وانضمامه للمعارضة.

يقول الشوفي أن حافظًا استدعاه من الهند، وكان سفيرًا لسورية فيها - 1971 - وناقشه في مسألة الحكم، وينقل عن الأسد أنه قال له: «إن قضية الحكم في بلادنا هي قضية سهلة للغاية» .

وتعليله أننا يجب أن نأخذ الناس كأفراد ونتساءل عندئذٍ ما هي مطالب الناس. وبرأي الأسد أن الناس لهم مطالب اقتصادية بالدرجة الأولى. فمن لا يملك بيتًا يريد أن يملك واحدًا، والذي لا يملك سيارة يريد سيارة، والذي لديه سيارة يريد سيارتين وهكذا. وهو يعتقد أن هذا النوع من المطالب يستطيع أن يحققها بشكل أو بآخر، وبعد تحقيق هذه المطالب ماذا يظل؟ على حد تعبيره يبقى مائة أو مائتين بالكثير، وهؤلاء برأيه يشتغلون جديًا بالسياسة وهم كما قال سيكونون ضده مهما فعل، وسجن المزة أصلًا مبني من أجل هؤلاء. إذن فلسفة الأسد للأمور أو نظرته إلى الحكم أنه قسم مجموع الشعب إلى قسمين: المعنيون بالسياسة والجادون من الناس وهؤلاء مصيرهم السجن، والأكثرية المطلقة برأيه ليست لهم إلا المطالب الاقتصادية ومتطلبات العيش.

تعليق:

هذه هي مواهب أسد السياسية والإدارية التي برزت منذ كان طالبًا في ثانوية اللاذقية، وهذا هو النهج الذي سار عليه عندما بليت به بلادنا وأصبح رئيسًا. لقد ترك أعوانه ومساعديه وحاشيتهم من التجار يعبثون بمقدرات الأمة، ولم يقف جشع كل منهم عند سيارة أو سيارتين، ومنزل أو منزلين، ومنذ عام 1970 وحتى يومنا هذا والسلطة تزعم أنها تريد أن تضع حدًا للفساد، ولكن يستحيل أن يكون المفسد مصلحًا.

أما العاملون في الحقل السياسي والذين عارضوا نظامه بشكل أو بآخر، فقد أخطأ في تقديره لعددهم، وأخطأ أيضًا عندما ظن أن سجن المزة يتسع لهم، ولهذا فقد وجد نفسه مضطرًا لبناء سجون أخرى، فكان أول سجن بناه سجن"عذرا"، وكان في مرحلته النهائية يتسع لثمانية آلاف، وبعد سجن عذرا بنى سجن"كفر سوسة"و"صيدنايا"وسجونًا أخرى.

وفي موضع آخر يتحدث الشوفي عن ثقافة أسد واطلاعه على ما ينشر فيقول: «حافظ الأسد في السياسة والتاريخ مجهولاته واسعة. انتقى في الداخل والخارج الرجال الذين تملقوا عنده هوس التفرد في الحكم، ودفعوه في هذا الاتجاه فاندفع إلى أقصى حد. أما ما يقال في الصحافة الغربية عنه فهو من نوع التملق المدروس، كما ذكر مرة من أن كارتر جاء ليتعلم منه. ممثلو الدول الكبرى يتلاعبون كثيرًا بمشاعر وعواطف وغرور الحكام في العالم الثالث. وعندما يعرف المرء حافظ الأسد عن قرب يلمس مستواه المتواضع.

قلت له مرة عندما كان وزيرًا للدفاع وكان يهيئ نفسه لتسلم الحكم: هناك كاتب إسرائيلي اسمه يوري أفنيري وضع كتابًا عنوانه"إسرائيل بدون الصهيونية"، وسألته هل قرأ هذا الكتاب فأجاب: لا والله. وبعد فترة من الحديث قلت له إن البيطار ينشر مقالات في مجلة"الحوادث"خلاصتها أن القرار 242 الذي وافقت عليه الدول الكبرى اتخذ من أجل أن ينفذ، ولا يجوز للعرب أن يزايدوا على الموقف من هذا القرار، فأما أن تقبله معًا ضمن استراتيجية. أو ترفضه معًا ضمن استراتيجية. وسألته هل قرأ هذه المقالات فأجاب: لا والله، وسألته عن ثلاثة أو أربعة أمور أخرى وكان جوابه: لا والله. فقلت له: يا أبو سليمان، إذا كنت لا تقرأ مثل هذه الأمور وأنت تستعد لتسلم الحكم، فماذا تقرأ إذن؟ أجابني: ليس لدي الوقت لقراءة مثل هذه الأمور. قلت له: كيف تمضي وقتك إذن؟ فأجاب: إذا كان أي رقيب في الجيش يريد الانتقال من مكان لآخر، فلابد من أخذ رأيي، فمن أين لي الوقت للقراءة؟ قلت: هذا عمل رجل الأمن وليس عمل الحاكم. فعلق قائلًا: والله هكذا هو الحكم في بلادنا».

شبلي العيسمي:

أحد مؤسسي حزب البعث، والأمين العام المساعد للقيادة القومية. ولقد كان العسكريون وغيرهم يترددون عليه عندما كان مقيمًا في القاهرة أثناء عهد الوحدة، وكذلك في عهد الانفصال بعد استئنافهم للنشاط الحزبي.

يقول العيسمي: «في الحقيقة لم نراع الدقة في قبول العضوية وتوفر نوع من الثقة بالعسكريين، ويضيف قائلًا: صلاح جديد ومحمد عمران وحافظ الأسد كانوا نشيطين، وقبل الثامن من آذار كانوا يزورونني في بيتي بحي الميدان - دمشق - مرة ومرتين في الأسبوع، ولم تكن الرقابة عليهم شديدة ... وكنا نتشاور مع الأستاذ ميشيل عفلق ومع الأستاذ صلاح الدين البيطار، وقُبلوا على هذا الأساس» .

وعن مواهب الأسد وعبقريته يقول العيسمي: «عندما ذهب حافظ الأسد إلى القاهرة كان ملازمًا أول. وكنت أنا عام 1960 في مصر الجديدة. وحضر إلي سليم حتى - من حوران - وكان يدرس في القاهرة وقال لي أن حافظ الأسد يريد أن يزورني للتعارف. وفي تلك الحقبة لم تكن تظهر عليه أمارات الفهلوة والذكاء الشديد، وقد اكتسب القدرة على التكتكة والمناورة في ما بعد. وقبل 23 شباط - فبراير- 1966 بحوالي سبعة أشهر زارني في مكتبي في منطقة السبكي، وكنت يومها أمينًا عامًا مساعدًا في القيادة القومية. وروى لي قصصًا اشتممت من خلالها رائحة الغرور. ومرة في عام 1965 أخبرني حافظ الأسد أنهم شكلوا في القرداحة [7] فريق كرة قدم. وأنه لم يوافق على الاشتراك فيه إلا إذا كان رئيسًا للفريق - لأني طموح وواثق من نفسي - وهذا أعطاني فكرة عن حبه للزعامة والبروز. وتأكد لي في ما بعد أنه من النوع الميكافيلي تمامًا وليس عنده حلال أو حرام. وهو قد اشترط على صلاح جديد، في مقابل اشتراكه بحركة 23 شباط 1966 أن يتولى وزارة الدفاع وألا يتدخل أحد فيها، لا صلاح جديد ولا غيره، وهذا ما فعله للسيطرة على الجيش» .

أحمد سليمان الأحمد:

الدكتور أحمد أستاذ الأدب الحديث والنقد الأوربي في جامعة دمشق سابقًا، ووالده الشيخ سليمان الأحمد شيخ وإمام الطائفة النصيرية، وعضو المجمع العلمي العربي بدمشق. وشقيقه محمد سليمان الأحمد - بدوي الجبل - الشاعر المعروف والسياسي العريق.

أحمد سليمان الأحمد من أعرف الناس بحافظ الأسد وبأسرته وتاريخهم، فهو من قرية قريبة من القرداحة، فضلًا عن كونه ابن إمام الطائفة، ومن جيل حافظ، فالأول ولد قبل الثاني بأربع سنين ... وكان مركزه الاجتماعي والفكري يفرض عليه الالتقاء بأسد الرئيس ومناصحته.

يقول أحمد: «التقيت بحافظ الأسد لأكثر من مرة وهو رئيس جمهورية ولم أكن مرتاحًا في أي مرة إلى نوع تفكيره وأسلوبه وفهم الأمور، وطرحها أو معالجتها، وكانت ثمة أشياء شاذة وغريبة لديه» .

وقال أيضًا: «إنه ماهر في الشر إذا جاز لنا أن نقرن المهارة إلى الشر، وفي الواقع فإن المهارة في الشر غباء مطبق» .

وسئل: هل الأسد غامض، فأجاب: «أما قولك بأنه غامض فأنا لا أعتقد ذلك إذا أردنا أن نستقرئ أعماله، ونتائج أعماله واضحة تدل عليه. وسواء قال عنه كارتر أو أي شخص آخر بأنه شخصية داهية وذكي إلى آخر هذه الصفات، فإني بصراحة ودون أي تحامل لم ألمس لديه ما ينم عن ذلك. وليقل الناس ما يقولون. أما إذا أردنا بالثقافة والمعرفة والذكاء، المناورات والمؤامرات فهنا يمكن أن يكون أستاذًا، ولكن كل من يريد أن يتجرد من الضمير القوي أو الوازع الأخلاقي يستطيع أن يفعل أشياء كثيرة لا يستطيع غيره أو أي شخص آخر في مركز السلطة أن يفعله. وأعتقد أن هنا يكمن السر. وأنا هنا أريد أن أربط بين الدعاية لبعض السياسيين والدعاية لبعض الأدباء أو المفكرين، إذ فجأة ترى الشهرة تنصب انصبابًا على شخص ما، ولا تفتح صحيفة إلا وترى اسمه فيها، وتعجب كيف يخترعون المجالات والمناسبات لذكر اسمه، فإذا نفذت إلى المستشرقين وما وراءهم وما أمامهم من إمكانات التحدث على منابر الجامعات أو في الكتب رأيت هذه الأسماء بعينها تتردد، وينالك العجب، هل هذه هي العبقرية؟ أبدًا وإنما هناك المؤسسات والمنظمات الدولية، لغاية في نفس يعقوب كما يقولون، ترمي بثقلها في هذا الميدان، وإذا بنا جميعًا نردد دون امتحان أو تمحيص ما تحاول هذه الجهات غير المتخصصة وغير الموثوقة أن تدخله في روعنا. وقد يقع الكثيرون في هذه الشباك بحسن نية وبساطة وارتزاق .. » .

ويؤكد أحمد سليمان الأحمد [8] بأن أفق حافظ الأسد ضيق وثقافته معدومة ... إني أشكك بكل هؤلاء الذين يرون الذكاء بحافظ الأسد، وأتفق مع كل الذين يرون فيه رجل شرطة ومخابرات، وأن تفكيره لا يعدو هذا المستوى.

وسئل الأحمد: هل حافظ الأسد قارئ مثقف؟ ‍! فأجاب: «الذي أعرفه من خلال ما اعترف لي به شخصيًا، ولم يكن مضى عليه في منصبه الرئاسي إلا فترة قصيرة، أنه كان يحفظ شيئًا من الشعر، وأنه كان يطالع ولكنه الآن ودع كل ذلك، أما ما جزم به أترابه فإنه كان يكره الثقافة والمثقفين، وينسحب عندما كان يدور حديث ثقافي أدبي، وأنه كان يزدري الشعراء، وما أسمعه الآن هو أنه لا يقرأ إلا التقارير ومنها ثقافته» .

الخلاصة:

1)كل من كتب عن حافظ الأسد وأبيه وجده، لابد وأن يكتب عن قوتهم البدنية التي يتفاخرون بها. فجده سليمان هزم مصارعًا تركيًا مشهورًا أمام مشهد من الناس فصاحوا: ياله من وحش، وأصبح فيما بعد يعرف باسم"سليمان الوحش" [9] ، وحفيده حافظ كان قويًا مفتول العضلات، وهذه القوة أكسبته شهرة بين الطلبة في ثانوية اللاذقية، وفي الكلية العسكرية كان متميزًا بنطح زملائه ويبالغ زميله طلاس في حديثه عن قوة رأس أسد.

والذي أعرفه - وأنا ابن قرية - أن كل قرية من قرى سورية أو غيرها فيها نماذج مشابهة لأسد وأبيه وجده، هذا من جهة؛ ومن جهة أخرى فمن لا يجد شيئًا يتفاخر به، يتفاخر بالقوة الجسدية وأنه هزم جمع من الناس، وصرع بطلًا مشهورًا وغير ذلك.

أما المباهاة بقوة رأس أسد وقدرته الفائقة على النطح فلا تؤهله هذه الميزة لرئاسة دولة والتحكم بملايين البشر، وإنما تؤهله لدخول مسابقات رياضية فيما لو كانت هناك نوادٍ رياضية تهتم بالنطح، فإن لم يجد كان بوسعه أن ييمم شطر إسبانيا، ويشارك في مصارعة الثيران، ولو أنه فعل لما سقطت الجولان بأيدي الصهاينة، ولكانت سورية بألف خير، ولكن هذه إرادة الله تعالى ولاراد لإرادته وقضائه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت