2)لم يكن أسد شاعرًا، ولا مفكرًا، ولا قارئًا جيدًا ... ولو كان شاعرًا لانتشرت قصائده وتبارى الأدباء المنتفعون في بيان محاسنها، وتفضيلها على شعر النابغة والمتنبي ... ولو كان مفكرًا كاتبًا لرأينا نماذج من أفكاره تنشر كنظريات أو متون تدرَّس في الثانويات والمعاهد والجامعات، ولتنافس الفلاسفة الانتهازيون في شرحها، ولقالوا فيها: لقد بذّ ابن خلدون وأوغست كونت.
لم يكن حافظ هذا ولا ذاك، وها هم عارفوه يقولون: كان معدوم الثقافة، ضيق الأفق، يتبرم غيظًا من مجالس المفكرين والشعراء، وبشكل أخص الناشطين في الحقل السياسي منهم.
3)ويقول الذين شاركوه في الحزب وفي الحكم ويعرفونه أكثر من أي مؤلف آخر:
-كان مترددًا في اتخاذ أي قرار يخشى الفشل ويحذر من ردود الأفعال.
-كان خجولًا ضعيفًا، ولهذا فقد كان كل من جديد وعمران يراهن عليه، ومامنهم من كان يتوقع أن يكون منافسًا له أو بديلًا عنه.
-كان ميكافيليًا ليس عنده حلال ولا حرام. وإني لأعجب من قول باتريك سيل: «إن أسدًا كان مهندس عملية قتل زميله سليم حاطوم وأنه عندما أصبح رئيسًا للجمهورية استقبل زوجة المقتول - وهي مدرسة - ومنحها راتبًا» . هل هذا عمل إنساني ينم عن مروءة وشهامة أو هو ميكافيلية لأنه استدرج زوجها بحجة المصالحة ثم غدر به ... كما وإني أعجب من قول سيل: «وحسبما جاء في رواية مصدر ثقة أن الأسد بكى عندما سمع بنهاية الجندي العنيفة. صحيح أنه هندس سقوط الجندي إلا أنه كان يمقت المجابهات العنيفة وبخاصة إذا كان الضحايا من رفاقه» .
كيف يقتل زميله، ومن كان له فضل عليه ثم يبكي عليه؟!
وكيف لا يعلق المؤلف على هذا الشذوذ"السادي"؟!
وبدلًا من ذلك يزعم أن أسدًا يمقت المجابهات العنيفة وبخاصة إذا كان الضحايا من رفاقه!! أوليس: صلاح الدين البيطار، ومحمد عمران، وصلاح جديد، ونور الدين الأتاسي، ويوسف زعين رفاقه وأساتذته وضحاياه؟! أوليس رفعت أسد من ضحاياه؟! إنه ميكافيلي [10] مستبد ولا يعرف الحلال من الحرام.
-كان ماهرًا في الشر، والمهارة في الشر غباء مطبق [11] .
وإذن؛ كيف أطاح بالجميع وانفرد بحكم سورية حوالي ثلث قرن؟!
الجواب: الجميع أطاحوا ببعضهم، ولم يكن أسد لاعبًا أساسيًا في أكثر هذه المعارك، ولكنه كان دائمًا مع أبناء طائفته، وبخاصة مع المنتصر منهم، وكان يراقب أحيانًا ويساهم أحيانًا أخرى، ويتعلم ويستفيد من كل حدث، وأبرز من استفاد وتعلم منهم أستاذه الداهية صلاح جديد ... وأدرك أخيرا - وكما قال زميله حمود الشوفي - بأن الحكم في بلادنا قضية سهلة للغاية، وما عليه إلا أن يكسب الجيش، ويترك باب السلب والنهب مفتوحًا على مصراعيه أمام كبار الضباط وكبار مساعديه من المحسوبين على الإسلام السني، ثم يسوس الشام بعقلية رجل المخابرات، وهذا الذي فعله.
أسد - كغيره من الحكام العرب - تعلم السياسة بشعبه، وأتقن دروس المكر والدهاء والمراوغة والابتزاز التي تعلمها من أساتذته في اللجنة العسكرية، واستفاد من التنظيم النصيري المغلق، ثم ورط الطائفة بأمور أضرت وستضر بها لعدة أجيال ... ثم استفاد من الحزب الذي لم يكن مقتنعًا به ولا بقيادته ... هذا وإني مقتنع بقول زملائه كان ميكافيليًا لا يعرف الحلال ولا الحرام، وكان رجل أمن وليس رجل فكر ... ولكنني أخالف من قال: كان ماهرًا في الشر، ولكنه لم يكن ذكيًا، لا، ليس الأمر كذلك، بل كان ماهرًا في الشر، عنده نصيب من الذكاء لا بأس به.
للبحث صلة ...
[1] كتاب: «الأسد. الصراع على الشرق الأوسط» باتريك سيل، ص: 250.
[2] المصدر السابق، ص: 188.
[3] سبق لنا الحديث عن مرحلته الدراسية في ثانوية اللاذقية.
[4] لم تكن الفراشة وحدها هي الطريقة الوحيدة المستخدمة لإثارة الرفيق الحافظ .. بل كنا في كل أسبوع نبتكر جديدًا، وأذكر في إحدى المرات أني أوحيت للزميل زهير بأن يحل غطاء المطرة قليلًا بحيث تترشح نقطة نقطة وأن يضعها على ساري الناموسية وتفنن زهير في التنفيذ ولم يلبث أن استيقظ الأسد لتبدأ المعاركة والمناطحة وقد فقد الزميل زهير نصف شعر رأسه من فرط ما تلقى من الصدمات ولكنه لم يدع خفة الدم إلى يومنا هذا.
[5] مرآة حياتي، مصطفى طلاس [1/ 307 - 310] العقد الأول.
[6] هذه المعلومات عن دور حافظ أسد في اللجنة العسكرية استقيتها من كتاب: «حوار حول سورية» ، ومؤلفو هذا الكتاب معارضون للنظام السوري الحاكم، وهم خليط من البعثيين واليساريين والناصريين، ويعرفون سوءات النظام لأنهم كانوا شركاء له في الحكم، أما الاسم الذي اختاره الناشر - محمود صادق - ووضعه كمؤلف على غلاف الكتاب فلا أصل له.
[7] كان الأسد يحدثه عن المرحلة التي سبقت التحاقه بالكلية العسكرية بحمص.
[8] أقوال: الشوفي، والعيسمي، وأحمد سليمان الأحمد نشرت في مجلة الوطن العربي كمقابلات صحفية معهم أجراها الصحفي السوري تمام البرازي، ثم جمعها في كتاب سماه: ملفات المعارضة السورية، مكتبة مدبولي، القاهرة.
[9] أنظر كتاب أسد، باتريك سيل.
[10] وهذا قول شبلي العيسمي فيه.
[11] هذا قول أحمد سليمان الأحمد.