الصفحة 2 من 17

العراق؛ أي عراق؟!

والماء فوق ظهوره محمول ... الحمد لله .. والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين.

أما بعد ..

فإنه وإن كان حزب البعث قد بات اليوم في العراق أثرًا بعد عين .. ودارت على زبانيته الدوائر فشربوا من ذات الكأس التي أذاقوا الملايين منها ..

إن كان هذا هو الحال؛ فإننا ما زلنا نرى ضرورة الإستمرار في فضح خبث وشراسة هذه الطغمة البائدة .. إذ أننا ما زلنا نبصر إناسا من بني جلدتنا استمرأوا الذل والهوان .. وما زالوا يحسنون الظن بهذه الأنظمة الجاهلية! ويؤملون منها خيرا!

{والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه .. والله سريع الحساب} .

[منبر التوحيد والجهاد]

بعد أيام قلائل سينطوي ربع قرن على حكم البعثيين للعراق، وهي حقبة تربو على ثلث عمر الدولة الحديثة. وسيحتفي البعثيون بعيدهم هذا على النمط المعهود، وذلك بعقد التجمعات العامة وإلقاء الخطب وتسيير المظاهرات، وسيزينون للعامة حصاد ربع قرن من المنجزات، كما سترتفع شعارات جديدة للمرحلة المقبلة.

أما نحن، أبناء هذا الشعب؛ والأجيال التي تنتمي إلى عراق ما قبل البعث، فنحسب أن في أعناقنا أمانة، والمسؤوليات الثقال تنتظرنا، ولن نخلي السبيل للبعثيين، أو ندع الحدث يفوتنا حتى يسمع الناس رأينا، وسنسجل شهادتنا، وسنحكي لأجيالنا الناشئة، ولمن لهم حق علينا من أهل العراق؛ من الأسرى واليتامى والمشردين والثكالى والأرامل والمطاردين والمصابين والمعذبين، ممن نشأوا وترعرعوا في كنف البعث، سنحكي لهم ما شهدته أبصارنا وأسماعنا طوال هذه الأعوام من مآس وآلام، وسنقص لهم ما كان يخطط له البعثيون في ظلمات الليالي منذ كانوا أطفالًا رضعًا، وسنروي لهم قصة العراق الشامخ الآمن المترف الذي لم تمهلهم النكبات رؤيته، وأين ذهبت كنوزه وثرواته، ولماذا تتربع بلادهم على بحار من النفط، والأنهار والسهول والخيرات بين جنباتها وأهلها:

كالعيس في البيداء يقتلها الظما

أعددت شعبًا طيب الأعراق ... سيدرك هؤلاء حينها سر هذا الضنك، وكيف انقلبت بلادهم إلى دولة ذليلة فقيرة منكسرة، يشمت بها الأقزام، تقتات على فتات موائد اللئام، وتئن تحت وطأة الجريمة والرذيلة.

لقد بلغت الأوضاع في العراق من السوء حدًا لا يطاق، وغدت مظاهر الانحلال الخلقي وصور الجريمة معلمًا بارزًا من معالم الحياة اليومية فيه، يتحدث الناس عنها صباح مساء؛ في المنزل والعمل والسوق، لا يشغلهم عنها سوى البحث عن لقمة العيش.

حدثنا قادمون من هناك فقالوا:"الأمن مفقود، والجريمة تنخر في جسد المجتمع، الأحداث يقبلون على السرقة، وكذلك الشباب العائد لتوه من جبهات القتال بعد عقد كامل، ولا يجد أمامه فرصة عمل. الأرامل واليتامى من الفتيات يتجهن للفاحشة تحت طائل الغلاء الفاحش وتدني دخل الأسرة وغياب معيلها، والأمهات يبعن أطفالهن بدافع العجز، وأخريات يفترشن رصيف الشارع العربي. الناس يشكون عجز أجهزة الأمن أمام موجة الجريمة المتفاقمة، وتورطها فيها أحيانًا، وهي التي لم يعد من تخصصاتها فض نزاعات لا مساس لها بأمن النظام، أما ذكر رأس النظام بسوء فجرم يعاقب بالإعدام الفوري دون تحقيق أو شهود، وكم من خلاف شخص تم حسمه بهذه الطريقة ثم يقال: إن الضحية شتم القائد، وعندها يقفل الملف وتنتهي القضية. وعلى مسافة بضعة كيلومترات من مراكز المدن الكبيرة، تختفي آخر معالم الدولة وسطوتها، لتبدأ معالم دولة جديدة، يسوسها قطاع الطرق وتسودها شريعة الغاب، لا يأمن المسافر فيها على نفسه في وضح النهار، حتى غدت التجمعات السكنية الكبيرة أشبه بواحات في صحراء واسعة مقفرة، يسرع الراكب بينها المسير مخافة أن يدركه العطش. ولا يكاد يمر يوم دون سماع الناس نبأ حادث قتل أو اغتصاب أو اختطاف أو إطلاق نار، وعند حلول الظلام، يلزم الناس منازلهم، والنساء يمسكن عن الخروج إلى الطرقات خشية حوادث الاغتصاب، وتنشط عصابات السطو المسلح التي تداهم البيوت وتبث الرعب في قلوب ساكنيها، وتنهب كل ذي ثمن على مرأى من أصحابها المرتجفين الذين قد تذهب أرواحهم وعفاف حرائرهم ضحية جرم العصابات، كما في قصة التاجر البغدادي الثري المشهور، الذي وجد مطعونًا في منزله هو وزوجته وأبناؤه الستة. وقد برزت لشيوع عمليات السطو هذه ظاهرة ما يعرف بـ"سوق الحرامي"الذي يعرض فيه السلب، ولا يسع المواطن الحريص على استرداد ممتلكاته المنهوبة سوى الذهاب إلى هناك والتعرف عليها وشرائها من جديد. وعلى الرغم من اعتراف الجهات الرسمية بارتفاع معدلات الجريمة بنسبة 60% في العام الماضي، فإن وسائل الإعلام ما زالت تمارس تكتمًا على حالات لا حصر لها من حوادث الإجرام". ويضيف هؤلاء:"الأوضاع العامة في تدهور يومي، على كافة الأصعدة، والناس - الشباب منهم على وجه الخصوص - يعانون من إحباطات نفسية وحالة يأس، ومشاكل البطالة والتضخم والرشاوى والفساد بنوعيه الخلقي والإداري تفتك بالمجتمع، ولا أحد يدري أين تتجه البلاد".

سيكون هناك من يقول:"إن تفشي الفساد بأنواعه من مخلفات الحروب، ومن الخطأ إغفال تأثيرات الحصار الاقتصادي المفروض منذ ثلاثة أعوام".

هذا القول في عمومه صحيح، ولكن ليأتي معنا هؤلاء نقلب معًا سجلات البعثيين مع أبناء الشعب لنرى كيف ومتى وأين بدأ الانحدار.

حرب على الخلق والفضيلة:

عكف البعثيون منذ يومهم الأول في الحكم على تنفيذ برنامج شامل مسبق الإعداد لإفشاء الرذيلة في أوساط المجتمع، وكانت حربهم على كل ذي صلة بدين أو خلق أو فضيلة حربًا شعواء لا هوادة فيها، فلم يتركوا منكرًا إلا أمروا به ولا معروفًا إلا ونهوا عنه، ولا فسادًا أو رذيلة إلا دعوا إليها وأشاعوها في أوساط الشباب، وصدق الله: {المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض، يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف} [التوبة/67] .

وكانت بغيتهم إيجاد جيل متحلل من دينه، منسلخ عن عقيدته، مقطوع الصلة بخالقه، لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا، ميت القلب، مأمون الجانب، يكون قاعدة راسخة ودعامة لصرح الثورة العظيم. وقد نهجوا للوصول إلى هدفهم هذا سبلًا شتى منها:

تحطيم الأسرة:

أحس البعثيون منذ وقت مبكر بدور الأسرة المعرقل لطروحاتهم الفكرية، والمبدد لجهودهم الهدامة مع النشء الجديد، لاسيما وأن الوالدين كانا لودهما كالمصفاة التي تخلصه مما يعلق به من لوثة فكرية. وكانوا يدركون جيدًا أن:

الأم مدرسة إذا أعددتها

وإذا أفسدتها نسفت الصرح من الأعماق. فكانت الأسرة ضحيتهم الأولى، وكان مطلبًا ملحًا أن يخلخل كيانها، لتزال العقبة وتتمهد الطريق. فأخرجت الأم من بيتها تحت غطاء محو الأمية، وحُملت في مراكز التعليم سموم عفلق، لتعود هي بعد ذلك وتنفثها في عقول صغارها وترضعها إياهم مع لبانها. وحورب حياء المرأة تحت شعار المساواة بينها وبين الرجل، وامتهنت أنوثتها وكرامتها، وأُقحمت في ميادين السياسة والاتحادات النسوية والنقابات ثم الميليشيات الحزبية في خندق واحد، جنبًا إلى جنب أخيها الرجل، حتى طغت ولاءاتها الحزبية على أواصرها الأسرية، وحيل بينها وبين قوامة زوجها، وأصبح تمردها ونشوزها محط إعجاب ومباهاة رفاقها الحزبيين، وسببًا لارتقائها في مصاف الحزب، ولم تعد أمينة سر بيت الزوجية، ووصل بها ولاؤها الأعمى للحزب واستهتارها بالقيم العائلية إلى حد التواطؤ مع أجهزة الحزب ضد زوجها المعارض والإيقاع به، وقد تباهى صدام ذات يوم على منصة"مجلس الشعب"بصنيع رفيقة حزبية أفشت سر زوجها.

في ظل هذه الأجواء الأسرية الموبوءة، والأواصر المنحلة نشأ وترعرع جيل الثورة وعماد المستقبل.

جيل جواسيس:

مضى نصف عقد على حكم البعثيين وبناء الإنسان العراقي الجديد، والأسرة العراقية المتحررة، والناس صغيرهم وكبيرهم ما زال يلعن أفكار البعث ومعتقداته، وكان الانخراط الطوعي في صفوف الحزب مازال يعد في عرفهم جنحة مخلة بالأخلاق، والبعث عندهم لا يزوج ولا يؤاخى، بل يحذر منه، لطويته الخبيثة وجبلته الشريرة.

وأدرك البعثيون أن لا أمل يرتجى من الأسرة ما كان هناك بقية من خير، وأن المطلوب هو جيل يتمرد على المثل والقيم وكل ما يمت بصلة لفضيلة، ومثل هذا لا يتأتى من هذا الطريق، وأن الفتى إذا ما اشتد عوده وهو في كنف والديه صعب مسخه، لذا فقد شرعوا في إنشاء محاضن للحزب أسموها منظمات طلائع، يؤخذ الطفل من والديه إليها وهو غض لين، ويربى تربية خاصة تحت عناية الرفاق، ويحقن بتعاليم الدين الجديد. ولم تمض سنوات قلائل حتى أيعن الثمر وأخذ الناس يسمعون من يقول: البعث ديني، عفلق نبيي والتقرير السياسي كتابي، وإذا ما أقسم بالعقيدة التي يحملها هو يعني بها البعث. فحدثت هوة فكرية واسعة بين جيل الآباء والأبناء في البيت الواحد، أذكت روح التمرد عند الأبناء، وأفقدت الآباء هيبتهم أمام أبنائهم ومقدرتهم على التقويم. ودُرِّب الطلائع على أساليب التجسس ونقل الأخبار وأصبحوا عيونًا لأجهزة الحزب التجسسية في منازلهم. ثم انتدبوا لمهمات أكبر، وتم نشرهم في طرقات الأحياء السكنية للاختلاط واللهو مع فتيان الحي، وكلهم آذان وعيون، علهم يسترقون كلمة واحدة يزل بها لسان، تذكر النظام بسوء، فيطيرون بها إلى مخابرات الحزب، فيلقي القبض على ولي أمر قائلها ليلقى مصيره المحتوم. فهلع الأهالي، وأمسكوا أبناءهم في المنازل.

إشاعة الفاحشة:

لا أحد يدعي أن العراق كان خاليًا من مظاهر الفساد قبل مجيء البعثيون. إلا أن تبني الحكومة البعثية الفساد وتقنينها له، تدنى بالبلاد إلى مستويات قياسية في الانحطاط. ولقد انكب البعثيون منذ البداية على إشاعة الفاحشة والمجون، تارة تحت مسمى السياحة والاصطياف وتارة باسم المهرجانات العامة التي ابتكروها واستقدموا إليها البغايا من الخارج، وكانت لبعض المسؤولين تورطات أخلاقية معهن. كما أنشأوا القرى السياحية وأحياء الدعارة على أطراف المدن وأسموها أحياء طرب، يقصدها الهابطون من داخل ووراء الحدود، وكان للبلديات المحلية دور مباشر في فتح حانات الخمر في مراكز المدن، وتقديم قروض سهلة وأرباح عالية لكل راغب في ذلك. وارتفع عدد الحانات في إحدى المدن الكبرى من حانتين إلى (25) حانة في ظرف عام ونصف فقط. ثم بدأ الإنتاج الوطني للخمور بأنواعها، وازداد اقبال الشباب عليها، ولم يعد بيعها قاصرًا على الحانات بل في المطاعم والفنادق التي لا تدرج في مصاف الدرجة الأولى بدونها. أما الحديث عن الأندية والمراقص الليلية التي يتسكع فيها الشباب، والمسارح والمسابح المختلطة وأفلام السينما الماجنة فيضيق المقام عن الحديث عنها.

الدين:

لم تكن الحملة على العلماء ومنارات العلم أخف وطأة، فقد حُظرت المدارس الدينية الأهلية في وقت مبكر، وأهملت المساجد وأوذي مرتادوها، وأسندت مناصب الإمامة والخطابة إلى أُجراء للحزب لا كفاية لهم، وخلت الخطب التي كانت تعممها وزارة الأوقاف من أي علم نافع أو موعظة، وخلت معها المساجد من المصلين، بل وأقفل العديد منها، وكم من مسجد مقفل تحول فناؤه إلى محل لرمي النفايات. وسقط في هذه الحملة عدد غفير من الدعاة ممن أصروا على مواجهة الظالم وقول كلمة الحق. وعلى صعيد آخر كانت وزارة الإعلام تمارس حظرًا على دخول الكتب الدينية، ولا زلت أذكر كيف كان الشباب يجوب دور الكتب فلا يجد في بعضها حتى المصاحف، وقد تركت هذه الحملة الشعواء فراغًا كبيرًا في الميدانين الثقافي والدعوي، وشغر العديد من المناصب العلمية لفرار الكثير من طلاب العلم بدينهم، وضعف الوازع الديني لدى الشباب، وكانوا فريسة سهلة للتيارات والمذاهب الهدامة. بعد هذا كله يفاجئنا صدام بطلبه قبل أيام تحفيظ القرآن في المدارس! جاء يحفظهم القرآن بعد أن أنساهم ذكر الله.

المجتمع الريفي:

بدأ الغزو الثقافي والفكري للريف العراقي في النصف الأول من السبعينيات، لكنه بقي محدودًا، لعزلة المجتمع الريفي الفكري والمعيشي عن مجتمع المدينة، ولوقوعه خارج دائرة النفوذ المباشر لوسائل إعلام الحزب، لكن هذا الطوق ما لبث أن كسر بوصول البث التلفزيوني تحت غطاء"كهربة الأرياف"، ومنحت كل عائلة فلاحية جهاز تلفزيون ملون بالمجان ولوحًا خشبيًا خط عليه عبارة"هدية السيد الرئيس"، وانهمك الفلاح العراقي بالتلفزيون واستهوته برامج الحزب الثقافية، فتفتحت أمامه آفاق جديدة واسعة، وانخرط بالجمعيات التعاونية والنقابات، واقتحم ميادين السياسة وارتقى في مصاف الحزب ولم يعد للأرض قسط من وقته الثمين، فأهملت الزراعة وتصحرت التربة، ثم جاء الإصلاح الزراعي ليجعل استرزاق الفلاح في أرضه أمرًا محالًا، فبدأت الهجرة من الأرياف حتى غصت المدن بمئات الألوف من العوائل الفلاحية. وماذا عسى الفلاح أن يعمل في مجتمع المدينة؟ لكن أجهزة الأمن والمخابرات سرعان ما اجتذبتهم وفتحت لهم الأبواب للانخراط في صفوفها، ومُنح كل راغب سيارة أجرة تويوتا من آخر طراز وعهدت إليه مهمة التجسس وجمع الأخبار. ونتج عن ذلك كله أن تحولت بلاد الرافدين والهلال الخصيب، بأنهارها وروافدها وينابيعها وجبالها وسهولها وتربتها الخصبة من دولة تنعم بالاكتفاء الذاتي الغذائي إلى دولة تستورد 80% من احتياجاتها الغذائية من الخارج.

الجيش:

كان تعامل البعثيين مع الجيش سريعًا وحاسمًا، فلم ينقض أسبوعان على نجاح انقلابهم حتى شرعوا باستئصال العناصر الغريبة نفيًا من البلاد بادئ الأمر ثم تصفية، ثم أعلنوا احتكارهم للعمل السياسي في صفوف الجيش، وحل الانتماء الحزبي محل الكفاية العلمية والقيم الأخلاقية والأصالة الاجتماعية كشرط لدخول الكليات والمعاهد العسكرية، ثم الارتقاء في الرتب العسكرية. ونجحوا في نقل دائرة النفوذ داخل الجيش من الضباط إلى الحزبيين. وأصبح اتخاذ القرارات وإصدار الأوامر من اختصاص أبناء عشيرة الرئيس وأصهاره، أما الضابط فلم يعد له على الجندي حق تنفيذ الأوامر ما لم تقر من قبل ضابط التوجيه السياسي، وقد يكون الضابط هو نفسه مسؤولًا أمام الجندي الأرفع منه درجة في سلم الحزب، فاختل الانضباط وتعطل النظام التنفيذي، وأصبح الجيش أشبه بميليشيا حزبية، ويعد مجيء صدام - وهو أول مدني يقود الجيش - للرئاسة وازدياد النقمة، أعيد تقسيم الجيش على أساس عشائري، وأوكلت قيادة كل فرقة إلى ضابط من قبيلة مختلفة، وأذكيت العداوات والنعرات الطائفية بين القبائل، وبات محالًا التنسيق بين الفرق، وأصبح النظام في مأمن، وكم جرّت قيادة صدام المدنية للجيش من ويلات، وأزهقت أرواح عشرات الألوف من أبنائه في الحرب مع إيران، ثم عاد صدام وزج الجيش في معركة غير متكافئة، فهُزم الجيش الذي كان معقد الآمال وسقطت هيبته، وتبددت طاقاته، وشاهد المئات من الملايين حول العامل من على شاشات التلفزيون الجندي العراقي وهو ينحني ليقبل قدم الجندي الأمريكي طالبًا منه الشفقة، ولازال صدام يصر على اعتبار ذلك نصرًا.

وبعد؛

هذه أمثلة قليلة منتقاة من سجل البعثين، وغيرها بكثير، وليس المراد من ذكرها المواساة والمؤانسة، ولكن التغيير لابد أن يسبقه قراءة متمعنة للواقع، وتحديد لمواطن الضعف، وطبيعة الصراع، وصدام وأمثاله من المعاصرين ليسوا بدعًا من الجبابرة، والمدرسة الفرعونية في الحكم قديمة وقد أرشدنا الله تعالى إلى دعائم هذه المدرسة وطبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم فيها، فقال: {فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قومًا فاسقين} [الزخرف/54] ، فلولا الفسوق ما كان الاستخفاف والجهل من متطلبات الفسوق. فهل زاد التلميذ على إرث أستاذه شيئًا؟ كلا، ولكن هاهو يدنو من هدفه الأسمى، وقد سامنا صنوف العذاب، وذبح أبناءنا واستحيا كرامتنا وأمات عزتنا، وها هم أهل العراق قد استمرأوا الذل والخنوع والهوان، وألفته أنفسهم، وهم الذين عرفهم التاريخ ببأسهم وجرأتهم على حكامهم.

[بقلم: ربيع الحافظ > مجلة السنة > العدد 32 > محرم، 1414 هـ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت