وكل هذا قد اتفقت عليه المذاهب الإسلامية من أهل السنة والجماعة.
غير أن هذا لا يعني أنه ليس في الإسلام مساحة لتعدد الآراء، والتسامح في الخلاف، ما دام ذلك لا يكون في دائرة المحكمات، والثوابت.
فالتعددية إن أريد بها هذا؛ فهي من الحق نفسه.
ولهذا لم يكن عند أحد من العلماء تعارض بين ما أمر الله به من إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المكر، وبين القاعدة المشهورة؛ أنه لا إنكار في المسائل الاجتهادية، لان الله تعالى شاء بحكمته أن يكون فيما أنزل محكمات هن أم الكتاب، يجتمع عليها أهل الحق ولا يتفرقون، ومتشابهات يجري وقد يسوغ فيها اختلاف النظر والاجتهاد.
ولهذا صح في الحديث: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله اجر) .
ولهذا ذكر من ذكر من العلماء أنه لا يجوز للحاكم أن يلزم الناس في مسائل الاجتهاد برأيه.
قال شيخ الإسلام جوابا على سؤال؛ هل يلزم ولي الأمر الناس بمذهبه في مسائلا الاجتهاد؟
فأجاب: (ليس له منع الناس من مثل ذلك ولا من نظائره مما يسوغ فيه الاجتهاد، وليس معه بالمنع نص من كتاب وللاسنة ولا إجماع ولا ما هو في معنى ذلك، لا سيما وأكثر العلماء على جواز مثل ذلك، وهو مما يعمل به عامة المسلمين في عامة الأمصار.
وهذا كما أن الحاكم ليس له أن ينقض حكم غيره في مثل هذه المسائل، ولا للعالم والمفتي أن يلزم الناس باتباعه في مثل هذه المسائل.
ولهذا لما استشار الرشيد مالكًا أن يحمل الناس على"موطئه"في مثل هذه المسائل، منعه من ذلك، وقال:"إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا في الآمصار وقد أخذ كل قوم من العلم ما بلغهم".
وصنف رجل كتابًا في الاختلاف، فقال أحمد:"لا تسمه كتاب الاختلاف، ولكن سمه كتاب السعة".
ولهذا كان بعض العلماء يقول:"إجماعهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة".